بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 أيلول 2025 12:00ص هسى الدكتور جهاد نعمان!

حجم الخط
أدركتني «هساك» يا صديقي، وأنا في مرحلة من العمر، رغبت معها عن كل ما هو استغراق في تفكير أو مداناة لأسرار الوجود بل طلاسمه، بنور الحبر وعشا العينين. فقرأته بهما أولا، فأعجبت ببلاغته وأناقة لغته، وبتلاوين الأنواع القولية فيه، خواطر ومقاربات عقلية منطقية ووصايا، وعلى الغرار كثير، عربيا أكان أم بلغة الذين انتدبوا علينا وعلى بلادنا ذات زمن. لكني، عند وصولي إلى خواتيمه، استحييت لشعوري بشيخوخة إدراكي، حتى ما تسعفني انتباهاتي فأحيق بسكناتك كلها، فعدت عبره إليك، ثناء وثلاث وبعض رباع، علني ألحق بغبارك، فأهنأ رضا وقابلية استمتاع بهوى الاستطاعة، بل مجانبة لأسى تقصيري في معاقرة طلاه.
لقد أجادت الشاعرة المطبوعة مي أسد سمعان، في تصدير كتابك يا دكتور جهاد، وها أنا ذا أقرّ بان قصيدتها جاءت من عيون الشعر الصافي بمسبار مقاييسنا الكلاسيكية. والشاعرة الملهمة تحدثت عن الكاتب بقدر ما تحدثت بالكتاب.
ذهبت في سفرك النفيس إلى انك نحت مصطلح «هسى» من توفيقك بين الهوى والأسى المتداخلين، وأنك نحتّ في عنوان الكتاب الثانوي مصطلح «جوهرود» في توفيق لديك بين الجوهر والوجود، رافضا الفصل بين المفهومين في واقع الحال أو جعل أسبقية ما لأحدهما بالنسبة إلى الآخر، ما قام به فلاسفة الغرب ولم يعه الفلاسفة العرب! ومن الهسى، انبثق التشاؤل أي التوفيق بين التشاؤم والتفاؤل، ومصطلح المعطوبية ولفظة عدجود (توفيق بين العدم والوجود)...
يمكننا عطف الهسى على التجاذب الوجداني الذي لم يمنجهه الفلاسفة العرب لأنهم ركّزوا ليس على فلسفة الكائن (أو الجوهر) والوجود وإنما على علم الخبر والقيم الدينية ذات الصلة! هذا ما أدّى إلى إلغاء كل ثنائية لديهم من هذا القبيل. وهذا ما استنتجه من كتابك.
تكلمت ، في مقارناتك، على تحوّل الإنسان من حال إلى حال في واقع الكيانات الوجودية «السوية»، تأثّرا بما يعتمل في أغوارها من نزعة الابتعاد عن السكونية، مرادف البلادة بل الاكتفاء، وطلبا للمزيد بل الجديد.
لفتني أيها الصديق الفيلسوف، كلامك على المعطوبية كنتيجة حكم منك على الكائن الإنسانيّ، معلول بمثل الانفصام الفاجع في كل حدث يأتيه جراء تيك الثنائية (أو أكثر) في كينونته، وما يليها من تبعات منها التشاؤل.
واستدركت بإثباتك ان المعطوبية إن هي في حقيقتها إلّا نعمة التداوي من داء السكونية البغيضة، فيها مسافة بين المسألة ونقيضها، تذكي شهوة الاستمرار في البقاء، مؤثرة الصراع على كل استكانة واستسلام.
فمرحاها معطوبية، واقعا كيانيا ببراثن، يبعدنا عن أن نكون شلالات زمنية في انحدار أحادي مستدام!
يندرج أدبك الفلسفي الحكمي في عداد أدب القرنين التاسع عشر والعشرين حيث أقام أدباء متنوّرون، في بيئاتهم وأوطانهم، تأليبا لرأي عام أفضى بدوره إلى قيام قادة مصلحين!
في تضاعيف سفرك، ومض إيماني وارتعاشات قلبية تندّي أجوائه بتقديم الذات المؤمنة مثالا في الركون إلى ما هو أسمى من مماحكات العقول ومجاذبات الشكوك في منازع الدنيويات الصاخبة.
هكذا، تنتقل على كنارة التعبّد، فتلغي، في نهاية المطاف، عبثية الانقطاع إلى العقل المحض البارد، والقياس المنطقي القاصر. انك لتقيم العلاقة المنقذة، رجاء الخلاص، بين الزمن العارض المفتقر أبدا إلى ما يجيز مسراه، والأبد غير القابل للتعليل، كونه الملء وغاية الغايات، وذلك إرتقابا لوشيجة الأمل بين المتداعي هروبا بل أفولا، والمقيم مرساة ركون واقتناع أخير.لن أوفي مأثرتك الجديدة هذه حقها في هذه العجالة المتواضعة، وادعو كل ذي فضولية فكرية إلى قراءتها وإعادة القراءة كما فعلت.

الدكتور إميل كبا
دكتور في الآداب