بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 آذار 2026 12:00ص هل تتحوّل الشارة إلى نصٍّ موازٍ للحكاية في تتر مسلسل «موناليزا»؟

حجم الخط
تتحوّل المقدمة أو النهاية إلى خطاب بصري مستقل، أو بالأحرى إلى نصٍّ ثانٍ يجاور الحكاية ولا يشرحها بل يعيد تأويلها. ما شاهدناه في هذا التتر ليس تزييناً، بل بناءً رمزياً متكاملًا مثل احتراق إطار، فتاة أمام درج حلزوني، رقعة شطرنج على حافة هاوية، أقفاص معلّقة فوق متاهة حجرية. إنها مفردات تقول إن العمل لا يثق بالسرد المباشر، بل يفضّل أن يلمّح ويترك المعنى معلقاً مثل تلك الفساتين البيضاء. فهل احتراق الإطار يعني حين تلتهم النار الحكاية؟
إطار لوحة يشتعل، وفي داخله فتاة بفستان أبيض تقف أمام درج حلزوني يصعد نحو فتحة ضوء. النار تحيط بالإطار لا بالمشهد الداخلي فقط، كأن الذي يحترق ليس المكان، بل طريقة النظر إليه. الإطار في هذا التتر ليس خشباً مزخرفاً فحسب، بل هو الذاكرة، الأعراف، القوالب التي وضعت القصة داخل حدود مسبقة. واحتراق الإطار إعلان تمرّد. كأن التتر يقول كل هذه الحكاية لن تبقى في إطارها التقليدي. ستتحرر، حتى لو احترقت. والفتاة التي تقف ظهرها لنا ليست ضحية سلبية؛ هي في موقع اختيار. الدرج الحلزوني رمز مزدوج صعود نحو النور، أو دوران في حلقة لا تنتهي. الحلزون لا يمنحنا خطاً مستقيماً، بل حركة تلتف حول نفسها. فهل الصعود خلاص أم إعادة إنتاج للتيه بشكل أكثر أناقة؟
النار، في بُعدها التطهيري، توحي بأن الحكاية تمرّ بامتحان قاسٍ. ما لا يتحمل الاحتراق يسقط. وما يبقى، يبقى عارياً من الزخرفة. هنا يبدأ التتر بطرح سؤال جوهري وهو هل نملك شجاعة الخروج من الإطار، أم أننا نخاف الضوء في أعلى الدرج؟ وهل رقعة الشطرنج هي الحياة كلعبة على حافة الهاوية؟ 
ثم ينقلنا التتر إلى فضاء مفتوح وهو فتاة تجلس على رقعة شطرنج موضوعة على حافة جبل شاهق، بينما تطفو حولها قطع حمراء ضخمة. هنا تتبدّل اللغة البصرية من الاحتراق إلى التعليق في الهواء. القوانين لم تعد ثابتة؛ القطع لا تقف على المربعات بل تحوم فوقها، كأن اللعبة خرجت من قواعدها. ورقعة الشطرنج استعارة قديمة للصراع والسلطة والحساب البارد. لكن وضعها على حافة هاوية يضيف بُعداً وجودياً، فكل حركة قد تكون سقوطًا. اللون الأحمر للقطع يحمّلها معنى القوة والخطر وربما الدم. في المقابل، الفستان الأبيض يصرّ على حضوره كعلامة ضعف السكن أو اللباس بمعنى الزواج أو نقاء أو بداية. والمفارقة أن الفتاة تجلس في مركز الرقعة، لا على هامشها. فهل هي بيدق؟ أم هي اللاعب الحقيقي الذي يراقب القطع وهي تتصارع؟ التتر لا يمنحنا جواباً، بل يتركنا أمام معادلة مفتوحة أهي لعبة تحكمها قوى أكبر من الفرد، أم أن الفرد قادر على إعادة ترتيبها؟
الجبال في الخلفية، بضبابها واتساعها، توحي بلا نهائية العالم مقارنة بصِغر الرقعة. ومع ذلك، الرقعة هي مسرح القرار. كأن التتر يقول أن العالم واسع، لكن مصائرك تُحسم في مربعات محدودة. ما نختاره في مساحة ضيقة يحدد سقوطنا أو بقائنا. فماذا عن الأقفاص والمتاهة والجسد الغائب والهوية المعلّقة؟
الأكثر كآبة وسريالية هو متاهة حجرية في الأسفل، وأقفاص معلّقة في الأعلى، داخلها فساتين بيضاء بلا أجساد. هنا يتحول الرمز إلى نقد مباشر لفكرة الاحتجاز. القفص لا يحبس جسداً هذه المرة، بل يحبس صورة. الفستان موجود، لكن صاحبته غائبة. الهوية اختُزلت إلى مظهر. والمتاهة أسفل الأقفاص توحي بأن الخروج ليس مسألة كسر قضبان فقط، بل مسألة اهتداء إلى طريق. التيه ليس في السقف بل في الأرض. الضباب يملأ الخلفية، كأن الزمن متجمّد أو الرؤية معطوبة. والفساتين البيضاء المتكررة تربط المشاهد الثلاثة بخيط دلالي واحد فالمرأة أو الإنسان عموماً بين البراءة والاحتجاز، بين القرار والتمثيل. فهي كانت تقف أمام درج. ثم جلست وسط رقعة. ثم غابت وبقي أثرها. فهل هذا تطور سردي؟ أم تحذير من مصير محتمل إذا لم يُكسر القفص؟ وهل الحرية كمعركة بصرية هي المعنى الحقيقي ؟ 
عند جمع المشاهد، يتضح أن التتر ليس زخرفة بل بياناً عن الحرية وتحطيم القوالب. والوعي المرتبط بلعبة الحياة وقوانينها. الأقفاص والمتاهة تكشف آليات الاحتجاز والتيه. فكل صورة تبني على الأخرى. النار تمهّد للعبة، واللعبة تكشف القفص، والقفص يعيدنا إلى سؤال البداية من يملك القرار؟
اللافت أن التتر يعتمد على فضاءات واسعة (جبل، درج شاهق، قاعة ضبابية) مقابل شخصيات قليلة أو غائبة. كأن العمل يقول إن المشكلة ليست في ضيق المكان، بل في ضيق الشروط التي تحكمه. الاتساع الخارجي لا يضمن حرية داخلية. بصرياً، التتر يميل إلى السريالية مثل قطع شطرنج طائرة، أقفاص معلّقة، إطار يحترق دون أن يلتهم المشهد الداخلي فوراً. هذا الانفصال بين الواقعي والمتخيل يمنح الصور قوة شعرية. الإضاءة تلعب دوراً حاسماً دفء النار في المشهد الأول، ضوء النهار البارد في الثاني، الأزرق الضبابي في الثالث. كأن الألوان ترسم منحنى عاطفياً من الاشتعال إلى البرود.
التكرار (الفستان الأبيض، الفضاءات الواسعة، العلوّ والانخفاض) يصنع إيقاعاً داخلياً نحن لا ننتقل بين لقطات عشوائية، بل بين فصول من قصيدة بصرية واحدة. فهل هذا التتر يطرح سؤالاً مفتوحاً عندما يضع الفنانة سوسن بدر بالأسود على كتفها الغراب عن قوة الشر في النفوس؟ 
أهم ما ينجح فيه هذا التتر أنه لا يقدّم إجابة. لا يقول لنا إن البطلة ستتحرر، ولا إن اللعبة ستنتهي بانتصارها، ولا إن الأقفاص ستنكسر. إنه يضعنا في حالة ترقّب وتأمّل. يشبه المرآة على كتفها الغراب التي تعكس مخاوفنا فكم إطاراً نحتمي به؟ كم لعبة نلعبها دون وعي؟ كم قفصاً نقبل به لأن شكله جميل؟ فهل هذا التتر يثبت أن الشارة يمكن أن تكون نصاً فنياً قائماً بذاته، ويحمل رؤيته الفلسفية الخاصة. عبر النار والشطرنج والأقفاص وغيرهم؟ أو يرسم خريطة صراع بين الحرية والاحتجاز، بين الوعي والتيه، بين الصورة والجوهر؟