بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 آذار 2025 12:00ص ... ويبقى الإبداع!...

حجم الخط
يشرب المبدع الحياة، يعبّها خمرة خفية، في كأس غير مرئية. منذ أن يبصر النور في هذا الكون الغريب، تراه يطرد عن نفسه، بالخيال، عبء الأيام.
رؤى عجيبة تدغدغه... رؤى عجيبة تدهشه. تراه ممسكا بيمينه زمام هذا الكون. فان كانت الأرض كروية ألفى نفسه على قمتها. وان كانت مسطحة لقي نفسه في وسطها.
القمر، هذه الكتلة التي تبدو من التراب اليباب يتراءى لعيني العشاق المسحورتين، كأنه ملاك حارس ناعس الجفنين، يدثر دموع سعادتهم في حنان...
معرفة الناسك المنزوي قد تفوق معرفة العالم الضليع. نظرته إلى الكون أكثر إنسانية بكثير، فعيناه عند الأفق ترمي بالسهل البسيط بين ذراعي عاشق صافٍ... وإنما شارد، فأسعده.
الوجه العجائبي الذي تنبض به كرتنا الأرضية، يعكس رغباته... دهشته ورعشته. هذا العالم العجيب يفيض غنى، ومع ذلك هو فقير: فلولا هو لكان العالم تافها.
العاطفة لسان القلب، والإبداع لسان العاطفة السخيّة. انها تأرجح بين الواقع والمرتجى، بين الجاذبية الجوفاء والانجذابية المعطاء. العاطفة سوانح ينبغي التقاطها بملقط من ذهب ينتقل من الارتباط إلى الرفض ومن الرغبة إلى عوالم الكبر، بلا رتابة أو لامبالاة.
أجل، انه عصر التكنولوجيا المتطورة والذكاء الصناعي. ولكن، من يحمل المرء على أجنحة الذكريات إلى أيام الطفولة والفتوّة وعهد الصبا؟ من يعيد إليه صورا بهيّة جميلة يرى فيها ملاعب الطفولة حينا ومسارح الشباب أحيانا؟ من يشعره بنشوة تغمر روحه وترنح أعطافه زهوا ومرحا، فيتمنى من صميم قلبه لو عاد به الزمان إلى الوراء، أو حلّق به إلى شاهقات الروح أو سبر بفضله أغوار الفكر؟
العالمية أولا موهبة ونضال. أما العولمة فقد تنطوي على الحيلة والإكراه! قد تدرك الآلة الحديثة ولكنها لا تدرك انها تدرك أو انها لا تدرك. قد يؤنسن الإنسان آلته فتتمتع بملكة الإدراك. تغدو الآلة ذكية حتى انها قد تنقلب على الإنسان! ولكن الحدس والحكمة من ميزات الإنسان الحصرية. قد تدرك الآلة، ولكنها لا تستدرك، وأرجح ان العقل الباطن أو اللاوعي، سيبقى مستغلقا عليها!
رغم التطرف المتفاوت الذي يكاد يجرف العالم برمّته، يظل المبدعون روّادا مستشرفين، ويبقى العالم موئلا لهم حتى لدى مجتمعات فَقدَ فيها معظم أبنائها أصالتهم وحرقوا جذورهم وبديهيات كرامتهم وحريتهم ولزوم وجودهم المحرك بالذات. فغدا عدد منهم كغربان تحوم باحثة عن بقايا فريسة تحت كل سماء، لتملأ منها أو بها حواصلها من غير أن تشبع... ولن تشبع!

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه