يثير انتباهك عنوان المسرحية (33 صلاة في جوف الحوت) وتتداعى إلى ذهنك أفكارٌ ورموز, ويلحّ عليك رمز الحوت وجوفه مستدركاً قصة «النبيّ يونس» الذي لبث في بطن الحوت ردحاً من الزمن إلى أن توجه إلى ربه منيباً إليه.. داعياً.. مستغفراً بالقول: {ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له}، واستجاب له ربه وخرج سليماً معافىً.. وعندما تطأ عيناك المشاهد الأولى للمسرحية التي تدور أحداثها على أرض الجنوب تدرك.. بل تصبح على يقين بأنّ ما يعانيه الجنوب وأهله ما هو إلّا تصوير لتجربة النبيّ يونس مقارنة بمعاناة أهل الجنوب.. الرازح تحت نيران الصهيونية وأطماعها.. وتتوالى الأحداث على خشبة المسرح مستغرقةً ثماني وأربعين مشهداً مواكبة الأحداث التي تجري على أرض الجنوب والمآسي التي غدت ملازمة لحياة أهل الجنوب.. وذلك من خلال شخصياتٍ محورية هم: حنان وولداها؛ زهراء وأدهم. الزمن: شهر تموز. ومسرح الأحداث: أرض الجنوب.. وكاتبٌ يدير الحوارات والوقائع بمهارة، والملفت ذلك المشهد الأول الذي دفع الكاتب من خلاله بثلاثة ممثلين، شكّلوا بأصواتهم وبتلك القبعات التي تمثلت بهم؛ رموزاً لمصطلحاتٍ شكّلت بمجموعها فكرٍ سياسيٍّ متسلّط يسود العالم.. ذاك الفكر الغربيّ الذي يخدم مصالحهم والمصالح الصهيونية والذي ارتبط بممارساتٍ قمعية تدميرية طغت على العالم؛ وعلى منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص.. انطلاقاً من المأساة الفلسطينية.. وصولاً إلى لبنان.
تمثلت المشاهد الأولى بدخول ثلاثة ممثلين إلى خشبة المسرح على وقع موسيقى.. وحركاتٍ إيمائية تحاكي حركات المهرجين في السيرك.. وكأنّ الكاتب يوحي بأن العالم أصبح سيركاً.. ومن يعتليه ويهيمن عليه.. ما هم سوى جماعة من المهرجين.. يلعبون أدواراً عبثية في مقدرات الأمم. يبادرك الكاتب بقبعات تختفي رؤوس تحتها، نقش على كل قبعة عبارة شكّلت رموزاً، دلّت بمجموعها على سياسات وأحداث ووقائع: «النظام العالمي الجديد، الشرق الأوسط، عنصرية الشيطان الأكبر، ديموقراطية الفوضى، فاشيست نازية، صبرا وشاتيلا، مجزرة قانا، في القدس أصلّي... دفع بها الكاتب ليعيش المتابع المناخات العامة لأحداث مسرحيته، حيث تطل حنان وولداها، الذين شكّلوا صورة عن المأساة والمعاناة التي عاشها أهل الجنوب، خلال هذه الحرب العبثية الصهيونية في هذه الآونة، حيث قامت حنان بإرسال ولديها إلى بيروت، خوفاً عليهما، وظلت وحدها على أرض الجنوب.. حيث الصواريخ الحارقة الخارقة.. والقصف والتدمير.. ثم لتنضم إليها شخصية الراعي الذي أبى أيضاً الفرار «حاولت الفرار من هذه الحرب مراراً.. ولكن قلبي لم يساعدني»[...] ويظهر رمزٌ آخر متمثلاً بسيدة المكتبة «ما أروع أصدقائي... إنهم لا يهربون في وقت الضيق»[...] ويستوقفك في المكتبة أيضاً مشهدٌ يضم شخصية علاء الدين في حوار مع سيدة المكتبة، وهو يحمل بيده قنينة مثّلت مصباح علاء الدين.. القمقم الذي بداخله المارد يريد تحريره فهو يشكّل بالنسبة له خشبة الخلاص «إن هذا المارد قدّم خدمات جليلة للبشر, كان يقول لهم: شبيك لبيك أنا بين يديك. أنا تحت أمركم في تلبية النداء»[...] طالباً منها وككاتبة كتابة رواية تحرّر من خلالها المارد من الحصار المفرض عليه تاريخياً وتجعله من الشخصيات المتمردة التي ترفض الظلم.. ليدفع الكاتب من ثم بشخصية سيدة القطار الذي يندفع كأنه الزمن، وحوار يدور بينها وبين شيخ فلسطيني صعد الى القطار، وذلك عندما سألته عن لهجته: «لهجتك هل أنت من الضفة أو من القطاع؟»[..] مجيباً بقوله: «أنا من فلسطين.. متى كان العرب يسألون من أين أنت... فلسطين واحدة يا سيدتي»[..] وينتهي المطاف بالكاتب: وبعد تسليطه الضوء على مجريات ووقائع الحرب التي رزح تحتها الجنوب وأهله... برمزيتها وبكل ما احتضنه من مشاعر وأحاسيس يعيش المتابع نبضها.. ليحتضن كل ذلك بمشهدٍ معبّر حين مثّلت حنان دور الحامل كي يستجيب الصليب الأحمر لطلبها لنقلها إلى بيروت للحاق بولديها: «وما أن خرجت الأم من بلدتها المحاصرة حتى عاد ولدها أدهم رافضاً أن يترك ولده للمحتل: «أدهم: الحرب بشعة كانت والدتي تقول باستمرار لا ينبغي على الأولاد ترك أرضهم... الأرض لنا... الأرض لنا... نفضّل أن نعيش داخل شجرة البلوط أو تحت أشجار الزيتون على أن نصبح من النازحين المنسيين في بقاع الأرض... الأرض لنا... الأرض لنا»[...]
* مسرحية (33 صلاة في جوف الحوت) نص مسرحي مستوحي من حرب تموز 2008 - دار المؤلف.
ضحى الخطيب