نظرياً تقاضيتُ راتبي مطلع الأسبوع.. وواقعياً تبخّر الراتب صباح اليوم التالي بكل ما للكلمة من معنى.. إيجار المنزل تفاقم بشكل مُخيف خلال 3 أعوام.. مُنتقلاً من الليرة اللبنانية إلى الدولار.. ثم بدأ يتضاعف حتى بلغ 6 أضعاف ما كان عليه والآتي أعظم!!
أقساط المدارس تقصم الظهر وتقسمه.. والثانويات التي ترفع شعارات «العلم رسالة» أصبحت دكاكين تجارية.. ادفع بالليرة اللبنانية وبالدولار معاً حتى تحصل على العلم.. حضورياً أو عن بُعد لا فرق.. بل المهم الدفع ثم الدفع ثم الدفع.. وحتى خلال زمن العدوان الإسرائيلي كانت المطالبات بالتسديد أولاً بأوّل المهم «هاتوا مصاري».. لم تعد المدارس مؤسّسات تربوية ولا جمعيات خيرية ولا اجتماعية.. «بل تجّار دنيا يرفعون شعارات لا توجد إلا في الكتب ومواضيع الإنشاء المدرسية»..
أما لقمة العيش فأصبحت مُغمّسة بالذُل.. والأسعار تضخّمت 250% والجوع طرق الكثير من الأبواب.. حتى الكثير والكثير ممَّنْ كانوا يُصنّفون بالميسورين ويجودون على المحتاجين.. انحدرت بهم الأحوال وأصبحوا ممَّنْ يحتاجون إلى العطف..
والمرض «قصة كتير كبيرة».. ممنوع على اللبناني المرض.. وإنْ داهمه أبسط الأمراض فعلاجه الصبر على الألم.. أما إنْ داهمه مرض عُضال فمصيره الموت حتماًَ.. لأنّه بطبيعة الحال لا قدرة على دفع «كشفية طبيب الاختصاص».. الذي تزيد عن الـ100 دولار على أقل تقدير.. بينما طبيب الصحة العامة فكشفيّته 50 دولاراً.. فيما الدخول إلى طوارئ المستشفيات يبدأ من 100 دولار كحدٍّ أدنى للاستقبال فقط.. ويمتد إلى الـ400 دولار..
يعني بالمختصر كل دول العالم عندما تتغيّر الأنظمة فيها.. وتعود للسير على «سكة السلامة».. ومنها الجارة الشقيقة التي استعادت عملتها المحلية بعضاً من قدرتها الشرائية في مواجهة الدولار مع سقوط النظام السابق.. إلا في لبنان منعت «مافيات الصيرفة» والمتمسّكون برقاب العباد.. أنْ يهوي الدولار أمام الليرة اللبنانية وتستعيداً بعضاً من أنفاسها.. فهل تتنفّس ليرتنا ونتنفّس معها.. أمّ إنّنا قريباً سنزفر آخر أنفاسنا؟!