منذ الأيام الأولى للحرب، بدا الجنوب اللبناني كأنه يواجه آلة حرب لا تعرف الرحمة. الطائرات الحربية الإسرائيلية لا تفارق السماء، وصوتها أصبح جزءاً من يوميات الناس، مثل صوت الريح أو هدير البحر. لكنها لم تكن تحمل المطر، بل الصواريخ والنار.
في القرى الحدودية، كان الليل أكثر قسوة من النهار. فجأة يضيء الأفق بلون أحمر، ثم يهتز كل شيء بانفجار هائل. البيوت التي سكنتها عائلات لعقود تتحول في لحظات إلى ركام. الطرقات تُقصف، والحقول التي كانت مليئة بأشجار الزيتون والتبغ تحترق تحت القصف المتواصل.
لم تكن هذه المشاهد جديدة على اللبنانيين. كثيرون قالوا إن ما يحدث يشبه ما فعله الجيش الإسرائيلي في غزة: قصف واسع، تدمير للأحياء، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. لكن عندما تقع المأساة أمام عينيك، تصبح أكثر قسوة من أي خبر تسمعه في نشرات الأخبار.
في إحدى القرى الجنوبية، وقف رجل مسنّ أمام منزله المدمر. كان ينظر إلى الحجارة المتناثرة كما لو أنه يحاول أن يتذكر أين كانت الغرفة التي ولد فيها أبناؤه، وأين كانت الشجرة التي زرعها قبل أربعين عاماً. لم يكن يبكي، بل كان صامتاً، كأن الصدمة سلبته حتى القدرة على الحزن.
مع اشتداد القصف، بدأت موجات النزوح. آلاف العائلات تركت بيوتها على عجل. سيارات محمّلة بالأطفال والحقائب والذكريات سارت نحو بيروت والشمال والبقاع. بعضهم حمل معه مفتاح المنزل، رغم أنه لم يعد متأكداً إن كان المنزل ما زال قائماً.
الأخبار كانت تتحدث كل يوم عن ارتفاع أعداد الضحايا. مئات القتلى والجرحى سقطوا نتيجة الغارات والقصف، بينهم أطفال ونساء ومسنّون. المستشفيات امتلأت بالمصابين، وفرق الإسعاف لم تتوقف عن التنقل بين القرى المدمرة.
كان كثيرون يرون في هذه الحرب امتداداً لسنوات طويلة من الاعتداءات. فمنذ عقود، لم يعرف الجنوب استقراراً حقيقياً. حروب متكررة، قصف، وتهديد دائم. ومع كل جولة عنف، يعود المشهد نفسه: بيوت مدمرة، عائلات مفجوعة، وأطفال يكبرون في ظل الخوف.
ومع ذلك، بقي أهل الجنوب متمسكين بأرضهم. حتى وهم في مراكز الإيواء أو في بيوت أقاربهم، كانوا يتحدثون عن العودة. عن القرى التي سيعيدون بناءها، وعن الحقول التي سيزرعونها من جديد.
فالجنوب، رغم شراسة الحرب وما خلّفته من دمار وألم، ظل في ذاكرة أهله أكثر من مجرد مكان. كان بيتاً وهويةً وحياةً، مهما حاولت الحرب أن تطفئها.