ذرفت «عين الحلوة» الدمع الفلسطيني الملطّخ بالدم اللبناني.. فرسمت بالأحمر المسفوك لوحات عن ربيع العمر المسروق.. في مجزرة صهيونية جديدة تُضاف إلى «سلسال الدم» الإسرائيلي.. ليلة الثلاثاء – الأربعاء تسلّل الموت إلى أزقة المخيّم الضيّقة.. إلى البيوت التي نامت على بصيص أمان.. إلى دفاتر الطلاب وحقائبهم المُلقاة قرب الأسرّة.. حيث كانت الأحلام تتحضّر لنهار جديد.. فإذ بالصواريخ تمحو الغد وتلوّن الليل بدماء الأبرياء.. الذين كل ذنبهم أنّهم وُلدوا في زمن الهيمنة الصهيونية على العالم الأخرس..
مجزرة عين الحلوة لم تكن مُجرّد قنبلة سقطت.. بل إعلان صريح عن الإصرار على قتلنا «بدم بارد».. لبنانيون كنّا أو فلسطينيون لا يهم.. المهم أنّ ثمن صمتنا رخيص جدّاً.. مهما سقط منّا جامعيون وثانويون عُزّل.. سلاحهم الأقلام والدفاتر والكتب.. وجريمتهم أحلام بناء المستقبل.. حوّلهم غدر الصهاينة إلى «شهود أبديين».. على مجزرة دموية تُضاف إلى سجل طويل.. من القتل المُستباح بحق الفلسطينيين واللبنانيين معاً.. في استهداف مُتعمّد لجيل بكامله.. علّهم العدو يقطع شجرة حياتنا من جذورها..
لم تكد تمض ساعات النهار حتى مرَّ لبنان على حافة مجزرة جديدة في بلدة الطيري.. بعد استهداف سيارة في لحظة عبور حافلة تقل طلاباً بمحاذاتها.. المشهد نفسه كاد أنْ يتكرّر.. طلاب يذهبون إلى مدارسهم وجامعاتهم.. فيتحوّل الطريق إلى مقبرة مُحتملة.. إنّها حرب إبادة باردة تستهدف العقل قبل الجسد..
وجعُ الدم ليس وحده ما ينهش القلب.. بل العجز الرسمي الذي يبدو كل يوم أشد فداحة من الجِراح.. حيث تحوّل الخطاب الرسمي إلى تكرار باهت لبيانات الاستنكار.. وعبارات التنديد التي لا توقف صاروخاً ولا تحمي طفلاً.. فيما لم يعد مقبولًا أنْ يستمر لبنان في الاستجداء السياسي والركض خلف التفاوض.. كفانا صلباً على مذابح الشيطنة الأميركية.. والذريعة دائما موجودة «السلاح غير الشرعي».. ولكن أي سلاح مع طُلاب وشباب بعمر الورد.. أي سلاح مع مُريدي الأمل والراغبين بالحياة الأجمل والأسمى؟!
قد يقول قائل إنّ لبنان لا يمتلك قوّة يهدّد بها إسرائيل عسكرياً.. لكن نحن نمتلك قوّة التحرّك نحو «الجنائية الدولية».. لا بطلب شفقة بل بمرافعة مدوية توثّق وتُدين.. لأنّه من تحت الركام تنبت الإرادة.. ومن نحيب الأمهات يخرج صوت أقوى من القذائف.. وإذا كان العالم كله صامتاً.. فالتاريخ غداً لن يرحم!!