بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

29 تشرين الثاني 2025 12:00ص العدو الأول!

حجم الخط
يُروى أنّ على أطراف جبلٍ قديم، كانت هناك قريةٌ تُشبه لبنان في كل شيء: جميلة، متعبة، كثيرة الحكايات.
كان أهلها مختلفين في مزاجهم وأغانيهم وطقوسهم، لكنهم كانوا يعرفون أنّ اختلافهم لا يمنعهم من أن يكونوا جيراناً، وأنّ أصوات البحر والجرس والأذان يمكن أن تتعايش مثل خيوط نولٍ واحد.
لكن في صباحٍ رمادي، ظهر في ظاهر القرية غريبٌ يحمل صندوقاً قديماً. لكن سرعان ما بدأت همسات غريبة تسري بين الأهالي:
«فلان يريد السيطرة»… «فلان يعمل لمصلحة الغرباء»… «هؤلاء خطر»… «وأولئك يهددون البلد».
شيئاً فشيئاً، بدأ الناس يبتعدون عن بعضهم.ثم ظهرت أصوات داخلية تتماهى مع ما كان يريده الغريب: أصوات تردّد الشكوك، وتضخّم الخلاف، وتعيد إنتاج الكلام نفسه وكأنّه حقيقة.
ولم ينتبه كثيرون أن الغريب لم يقل شيئاً جهاراً؛ كل ما فعله هو أنه عرف أين يضع صندوقه… قرب الشرخ القديم.
ولم يكن أهل القرية يعرفون أن هذا الغريب يشبه قوةً خارجية لطالما حاولت استثمار خلافاتهم ، كما تفعل إسرائيل اليوم حين تتابع انقسام اللبنانيين وتستفيد من تباين أصواتهم، وتُغذّي الصدى الذي يخرج من داخل البلد لا من خارجه.
مرت أيام طويلة، وبدأ كبار القرية يستشعرون الخطر.
جمع الشيخ الناس وقال لهم:«أتدرون؟ هذه القصة ليست جديدة. هناك حكاية قديمة تقول إنّ المدن لا تسقط من الخارج إلا حين تختار الدخول من باب الفتنة. والفتنة لا تحتاج قوة كبيرة… تحتاج فقط مَن يردّد صداها».
تساءل البعض:«وماذا نفعل الآن؟ فقد امتلأت القلوب بالوحشة»!
فأجاب الشيخ:«العدو الأول هو من يستثمر في خوفكم، وأن قوتكم ليست في تشابهكم بل في قدرتكم على الاختلاف من دون أن تكسروا البيت».