في الزنزانة الضيّقة، كان الوقت يفقد معناه. لا ليل يُعرف من نهار، ولا صوت سوى خطوات تأتي وتذهب. جلس الأسير يحدّق في الجدار، يردّد في داخله أسماء لا يريد أن ينساها، كأنها آخر ما يربطه بذاته.
حين بدأ الاستجواب، لم تكن الأسئلة هي الأداة الأقسى. كان الصمت، والتكرار، والانتظار الطويل. كانوا يعيدون الجملة نفسها بصيغ مختلفة، حتى تختلط الكلمات في الرأس. «قُل ما نريد»، لا بصوت مرتفع، بل بإيحاءٍ بارد، كأنه حقيقة لا تقبل النقاش. ومع كل جلسة، كانت الرواية تُصاغ أمامه، جملة بعد أخرى، كدرسٍ مطلوب حفظه.
لم يطلبوا منه الحقيقة، بل نسخة قابلة للبث. وحين تردّد، أُعيد إلى العزلة. وحين نطق، قيل له إنّ ذلك لا يكفي. هكذا يصبح الاعتراف عملاً قسرياً، لا شهادة، وتتحوّل الكلمات إلى قيود إضافية.
خارج الزنزانة، عُرضت «الاعترافات» على الشاشات، كأنها انتصار. لم يسأل أحد كيف قيلت، ولا كم مرّة أُعيدت قبل أن تُقال بالشكل المطلوب. بدت كأنها تسميع درس أعدّه العدو سلفاً، لا أكثر.
في قصص الأسرى، لا تكون الحقيقة دائماً ما يُنطق، بل ما يُنتزع. وما بين الأسْر والاعتراف، مسافةٌ تُقاس بقدرة الإنسان على الصمود، وبقناعة المحتلّ أنّ الكلمة، إذا أُكرهت، قد تُستخدم سلاحاً.
في هذا غياب الرد اللبناني ان على المستوى الرسمي لما أدلى به عماد أمهز ، أو على المستوى الحزبي، بدت الحكاية ناقصة عمداً. فحين لا تُواجَه الرواية المفروضة برواية مضادّة، تصبح المادة المزيفة قابلة للتوظيف، عند العدو، وبالنسبة له اكتمل المشهد الذي أراده ليس المهم ما قيل، بل كيف سيثتثمره العدو في المفاوضات من اجل انتزاع المزيد من التنازلات من الجانب اللبناني، وبالتالي على المفاوض اللبناني ان يتمتع بحنكة وذكاء ووطنية تجنب الذهاب الى ما يريده العدو فالمهم «الفطنة اللبناني».