أكبر عقدة نفسية عند بعض الإعلاميين من أي ملف سياسي هي الضاحية الجنوبية لبيروت، يكفي أن يمرّ أحدهم بالقرب منها ليخرج علينا وكأنه عاد من «غابة مظلمة» اكتشف فيها وحشاً أسطورياً. زيارة بسيارة «مفيّمة» تتحوّل إلى «رحلة استكشافية»، ووصف حيّ لبناني عادي يصبح «تقريراً استخبارياً» عن شوارع إيران… والهول كل الهول أنّ الرجل أصلاً لم يرَ شيئاً من وراء الزجاج الأسود!
المضحك المبكي أن هؤلاء الذين يوزّعون أحكامهم الجغرافية والاجتماعية على الهواء، لم يكلّفوا أنفسهم قراءة صفحة واحدة عن الضاحية أو ناسها. ناسٌ أعادوا بناء بيوتهم بعد أن سُوّيت بالأرض، بينما كان «النقّاد» يعيدون تدوير نكتة مملّة عن «ثقافة الموت»، ويبيعونها للمشاهد على أنها تحليل سياسي عميق.
المشكلة أنّ شيطنة الضاحية باتت «موسماً إعلامياً»، وأقصر طريق لتجديد نجومية باهتة. يكفي أن تقول «ذهبت إلى الضاحية»، ليتحوّل المقطع إلى «تراند»، حتى لو لم ترَ سوى سقف سيارتك.
الواقع؟ الضاحية ليست المكان الغامض الذي يخافون الاعتراف بوجوده. إنها منطقة عادية، فيها طلاب جامعات، ناس تعمل من الصبح للمسا، شباب يرقصون في النوادي كما يصلّون في المساجد. فيها المحجبة تسير جنب صديقتها بالتنورة القصيرة، بلا عقد ولا وصاية ولا شعارات مصنّعة.
الحقيقة أن الضاحية ليست المشكلة، ولكن المشكلة في عيون ترى الناس «وحوشاً» لأنها اعتادت النظر إليهم من خلف سياج، ومع ذلك تتفاجأ عندما تكتشف أنّ من خلف هذا السياج أكثر إنسانية من كل المنابر التي تهاجمهم.