بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

27 كانون الأول 2025 12:20ص تسلّل العمر

حجم الخط
في آخر ليلة من العام، جلس قرب النافذة يراقب انعكاس الأضواء على الزجاج. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكل ثانية تمرّ تشبه خطوة إضافية في طريق لا يعرف إن كان يختاره أم يُدفع إليه. في الداخل، كان البيت صامتًا، لكن رأسه يعجّ بأصوات متناقضة؛ صوت يحنّ إلى البدايات الأولى، وآخر يطالبه بأن يكون أكثر نضجًا، أكثر ثباتًا، أقل دهشة.
تقدّم بالعمر دون أن يشعر باللحظة الفاصلة. لم يستيقظ يومًا ليجد نفسه أكبر سنًا فجأة، بل تسلّل العمر إليه بهدوء، مثل غبار خفيف لا يُرى إلا حين يتراكم. ما زال يضحك للأشياء نفسها، لكن ضحكته صارت أقصر. وما زال يحلم، لكن أحلامه أصبحت أكثر حذرًا، كأنها تمشي على أطراف أصابعها.
في الخارج، بدأ العدّ التنازلي. أصوات الناس تختلط بالضحكات والأمنيات. تذكّر ليالي رأس سنة قديمة، حين كان المستقبل يبدو واسعًا وبلا حواف، وحين كان يعتقد أن كل عام جديد سيحمل إجابات واضحة. الآن، صار يعرف أن السنوات لا تعطي الإجابات، بل أسئلة أدق.
حين أعلنت الساعة بداية العام الجديد، لم يشعر بانفجار الفرح الذي توقعه، ولا بحزن عميق. شعر بشيء بينهما: قبول هادئ. أدرك أن التناقض جزء منه؛ أن يكون ممتنًا لما مضى، وخائفًا مما يأتي، ومتحمسًا له في الوقت ذاته.
وبين هذا كله، شعر بثقل خفيف في صدره، ليس ألمًا بل وعيًا جديدًا، كأن السنوات علَّمته كيف يشعر بعمق أكبر دون أن ينهار، وأن ينهض اذا وقع، ولكن النهوض اصبح اقل من السابق.
 أغلق النافذة، وابتسم ابتسامة صغيرة. لم يتمنََّ معجزة، بل فقط أن يبقى قادرًا على الشعور… وهذا بدا له بداية كافية لعام جديد.