جلس خلف مقوده، يراقب عدّاد ماكينة المحروقات وهو يتحرك ببطء نحو الأسفل. الأرقام تتناقص من أسبوع إلى آخر، وكأن الزمن يعود قليلاً إلى الوراء. تراجع سعر البنزين أكثر من ثمانين ألف ليرة في أسابيع معدودة، والديزل انخفض أيضاً. للحظة، شعر بأن هناك ما يدعو للتفاؤل، بأن هذا البلد المتعب قد يمنحه نفساً صغيراً بعد طول اختناق. تمتم في نفسه: «ربما الآن، ستنخفض الأسعار، ربما سأتمكن من شراء ما أحتاجه دون حساب كل ليرة.»
لكن سرعان ما تلاشى هذا الإحساس. عند مروره بالسوبرماركت في طريقه الى المنزل، حتى خيّم عليه الإحباط من جديد. مشهد الأسعار كان كصفعة على وجهه ايقظته من حلمه الجميل: الخضار والفاكهة بأسعار خيالية، عبوة الزيت تضاعف ثمنها، علبة الحليب صارت ترفاً، لم يفهم كيف يمكن أن تهبط أسعار المحروقات، وتبقى كلفة المعيشة في السماء. أليس النقل جزءاً أساسياً من سعر كل سلعة؟ أليس تراجع البنزين والمازوت يفترض أن يخفف من كلفة الإنتاج والتوزيع؟
وقف أمام الأرفف عاجزاً، يسأل نفسه قبل أن يسأل غيره: «أين الرقابة؟ أين الدولة التي يُفترض أن تلاحق المحتكرين وتفرض التسعيرات العادلة؟ كيف يُترك المواطن لمصيره في سوق فوضوية».
عاد إلى سيارته بعد أن دفع مبلغاً كبيراً مقابل أكياس صغيرة، وأدار المحرك وهو ينظر مجدداً إلى عدّاد الوقود الذي توقف عند رقم أقل من المعتاد. ابتسم بسخرية وقال بصوت: «حتى العدّاد انخفض لكن الأسعار في هذا البلد لا تعرف إلا طريق الصعود».
وهكذا، يواصل اللبنانيون حياتهم بين تناقضات يومية: البنزين ينخفض، الدولار ثابت، لكن الأسعار تصرّ على الارتفاع، كأنها ترفض أن تعيش الواقع، أو ربما لأن لا أحد في هذا البلد يجرؤ على إلزامها بذلك.