بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

24 أيار 2025 12:00ص حكم الجهلة!

حجم الخط
بلغ أحد السلاطين أن في السوق جارية يتجاوز ثمنها مئة جارية، فأمر بإحضارها إلى قصره ليرى ما يميزها عن سواها.
دخلت عليه شامخة، بعينين تلمع فيهما ثقة لا تليق بعبدٍ ولا خادم.
سألها بدهشة:«لِمَ سعركِ غالٍ يا فتاة؟» فأجابت بثبات:«لأني أتميز بالذكاء».
راقت له جرأتها، فأراد اختبارها، وقال:«سأسألكِ خمسة أسئلة، إن أجبْتِ أعتقتكِ، وإن لم تجيبي... قتلتك!»
وصمت الجميع يرقبون، وقال السلطان:«ما هو أجمل ثوب؟ وأطيب ريح؟ وأشهى طعام؟ وأنعم فراش؟ وأجمل بلد؟»
لم ترتبك الجارية، بل نظرت حولها بهدوء وقالت:
«جهّزوا لي متاعي وفرسي... فإني مغادرة هذا القصر، وأنا حرة!» وقالت:
-أجمل ثوب: قميص الفقير الوحيد، لا يملك سواه، فيراه دافئًا في الشتاء، خفيفًا في الصيف...
فالقناعة أجمل من حرير السلطان.
-أطيب ريح: رائحة الأم، حتى وإن كانت تعمل في حمام السوق تنفخ النار...
فالعطر لا يُستورد، بل يُستنشق من حضن الحنان.
-أشهى طعام: ما أُكل على جوع، فالخبز اليابس في عين الجائع وليمةٌ لا تُضاهى...
فالحاجة تُنضج الطعم لا التوابل.
-أنعم فراش: ما نمتَ عليه وبالك مرتاح، فلو كنت ظالمًا لرأيت فراش الذهب شوكًا...
فالراحة لا تُشترى، بل تُولد من الضمير.
ثم مشت نحو الباب، فناداها السلطان:«لم تُجيبي عن سؤالي الأخير... ما أجمل بلد؟»
فاستدارت، وقالت بصوتٍ هزّ جدران القصر:«أجمل بلد... هو الوطن الحر، الذي لا يحكمه الجهلة.»
واليوم، كم من وطنٍ يملك الثروات ولا يملك الحرية؟ وكم من شعبٍ يتزين بالثياب، لكن جوعه للكرامة لم يُشبع؟ وكم من «فراش» ناعم يغطي عقولًا مضطربة، وقلوباً مثقلة بالظلم؟
اليوم نرى بأم العين  كم أن ابطال غزة أحرار وكم أن جوعهم ليس للطعام بل للتخلص من حكم الطاغوت الاسرائيلي، وكم من جاهل يحكم دولاً لم تحرك ساكناً لنجدة الحرية في هذا القطاع.