في أحد أحياء بيروت الشعبية، تجلس «أم نبيل» على شرفة صغيرة تطلّ على شارع ضاق بأحلام سكانه كما ضاقت أيامهم. لم تكن تعرف من الراحة سوى اسمها، ومن الوطن سوى الخذلان.
منذ ثلاثين عاماً، حملت أم نبيل الحياة على كتفيها بعد أن اختطف المرض زوجها في عزّ شبابه. كانت في منتصف الثلاثينات حينها، وأمامها أربعة أولاد وبيت مستأجر لا يسدد نفسه إلا بالعرق والدموع. نهضت دون أن تلتفت للدموع، عملت في الخياطة، ثم في تنظيف البيوت، تنام وتستيقظ على حلم ألا ينام أولادها جائعين.
مرّت السنوات، وظلّت «أم نبيل» في البيت وحيدة، كما بدأت. لكن الفرق اليوم أن يديها لم تعودا قادرتين على الخياطة، وأن ركبتيها تئنّان مع كل خطوة.
لا ضمان شيخوخة، ولا بطاقة صحية، ولا مساعدة اجتماعية. فقط اسم على دفتر عائلة في وطن يُفترض أنه لا يترك أبناءه.
في دولة مثل لبنان، لا وجود للرعاية الاجتماعية. من يتعب، يُترك. من يكبر، يُنسى. لا نظام تقاعدي يحفظ كرامة من أفنوا أعمارهم في العمل، ولا سياسة واضحة لحماية الطبقات الضعيفة، بل فقط بيانات، ووعود، وخطابات فارغة.
تقول أم نبيل:
«ما طلبت شيئاً من الدولة بحياتي... بس هلّق تعبت. ما بدي صدقة، بدي بس حسّ إني مواطنة بهالبلد، إني اشتغلت وتعبت كرمال ما أمدّ إيدي اليوم.»
لكن من يسمع؟ فرغم صدور قانون ضمان الشيخوخة بقي حبراً على ورق، فالسلطة اليوم منشغلة بالمحاصصة وتقاسم النفوذ، بتوزيع الحصص والمراكز على قاعدة الطائفة والمذهب، وبصراعات داخلية لا تنتهي: فريق يريد «تجريد البلد من سلاح المقاومة»، وآخر يتسلّح بالخطاب الطائفي لحماية مصالحه. أما الناس، فليسوا أكثر من أرقام في معادلة السلطة، تُستخدم وتُنسى.