في بلدٍ ما زالت جراحه مفتوحة، لا يمكن اعتبار التصريحات التي تبرِّئ قادة العدو الإسرائيلي من دماء أطفال لبنان مجرّد «رأي شخصي». حين يخرج فنان لبناني ليعتبر أن رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، غير مسؤول عن قتل طفل في جنوب لبنان، فهو لا يقدّم قراءة سياسية باردة، بل يوجّه طعنة مباشرة في وجدان وطنٍ بأكمله.
الطفل الشهيد لم يكن رقمًا في نشرة أخبار، بل كان صورة مكثفة لبراءةٍ سُحقت تحت نار العدوان. وتبرئة المسؤول السياسي الأول عن آلة الحرب من دماء طفل، أيًا كانت الذرائع، تعني عمليًا تبرير منطق الإفلات من العقاب، وتطبيع فكرة أن قتل الأطفال يمكن أن يكون «خارج المسؤولية».
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود الاستفزاز الأخلاقي، بل يتماهى مع سردية العدو، في لحظة يحتاج فيها اللبنانيون إلى خطاب يحمي وحدتهم لا يشرذمها. فحين يتبنى بعض اللبنانيين روايات تبريرية للاعتداءات، فإنهم يوسّعون الشرخ الداخلي ويغذّون انقسامًا خطيرًا في مجتمع دفع ثمن الاصطفافات الحادة دمًا وخرابًا خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
لقد علّمتنا تلك المرحلة أن اللعب على خطوط الانقسام، أو الاستقواء بخطابات خارجية على حساب الحسّ الوطني، لا يقود إلا إلى تقويض السلم الأهلي وإعادة إنتاج مناخات الكراهية. الكلمة في لبنان ليست تفصيلًا عابرًا؛ هي قد تكون جسرًا نحو التعافي، وقد تكون وقودًا لفتنة كامنة.
ليس المطلوب من الفنان أن يكون على موجة سياسية واحدة، لكن المطلوب منه، بحدٍّ أدنى، ألا يتحوّل صوته إلى غطاءٍ أخلاقي لدمٍ بريء. الدفاع عن حق الأطفال في الحياة ليس شعارًا حزبيًا، بل قيمة إنسانية مطلقة. وكل خطاب يُفهم منه تبرير قتلهم، أو التخفيف من فداحة جريمتهم، يسقط أخلاقيًا مهما حاول التجمّل بشعارات الحرية أو الواقعية السياسية.