هي المرة الأولى التي تُستهدف فيها الجامعة اللبنانية الوطنية ويكون الهدف المباشر أساتذة داخل حرمها الأكاديمي. فقد تحوّل مكتب المدير، بذريعة العدو، إلى ما سُمّي «بنى تحتية» لمواجهته، قبل أن يتعرض لقصف إسرائيلي مباشر استهدف المدير وزميله من دون أي إنذار مسبق. الغارة لم تكن عشوائية، بل جاءت في سياق حرب وحشية لا تفرّق بين أستاذ أو طفل أو مقاتل، وتعكس خوف العدو من قدرة العقول العربية على مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، وتطوير حلول قد تقلل من هيمنتها في المنطقة.
إن استهداف أساتذة في جامعة ليس مجرد حادث عسكري عابر، بل هو رسالة سياسية وأخلاقية خطيرة. فالجامعة، في جوهرها، مساحة للعلم والفكر والبحث، وليست ساحة حرب. لكن حين تتحول قاعات العلم إلى أهداف للقصف، فإن ذلك يكشف عقلية ترى في المعرفة تهديدًا، وفي الفكر الحر خطرًا يجب القضاء عليه.
ما جرى يفضح جوهر هذه الحرب التي لا تستهدف الأرض فحسب، بل الإنسان نفسه: فكره، قدرته على الإبداع، وإمكانية أن ينهض بعلمه في وجه العدوان. فالعدو الذي يدّعي محاربة «الخطر» لا يتردد في تحويل مكتب أستاذ إلى هدف عسكري، وكأن القلم والبحث العلمي باتا في نظره سلاحًا يجب تدميره.
إن الخوف الحقيقي الذي يكشفه هذا الاستهداف ليس خوفًا من قوة عسكرية تقليدية، بل من عقل عربي قادر على التفكير والإبداع وتحدي التفوق المفروض بالقوة. فالتاريخ أثبت أن المعرفة هي القوة الأعمق والأبقى، وأن الشعوب التي تملك العلم تستطيع، ولو بعد حين، أن تكسر احتكار القوة.
من هنا، فإن قصف الجامعة اللبنانية يتجاوز كونه اعتداءً على مبنى أو مؤسسة تعليمية؛ إنه اعتداء على فكرة الإنسان العربي نفسه، وعلى حقه في التعلم والإنتاج الفكري. وهو دليل جديد على أن هذه الحرب، في جوهرها، حرب ضد الحياة والعقل والكرامة الإنسانية.