في زمنٍ قديم، حين كانت القرية تنام على ضوء قنديلٍ واحد، حكى الشيوخ عن رجلٍ وعد الناس بالإصلاح. قال إن الطرق ستُعبَّد، وإن الأسلاك ستنقل الصوت والنور إلى كل بيت. صدّقه الفقراء، لأن الجوع يجعل الأمل سهلاً.
مرّت السنوات، وبُنيت مكاتب لامعة، وارتفعت لافتات تتحدث عن تحديث الدولة. لكن القنديل بقي مشتعلاً، والليل بقي طويلاً. كان الفساد يغيّر اسمه فقط، ويرتدي ربطة عنق أنيقة.
في الماضي، كان السارق يختبئ في الظل. اليوم، يقف على المنبر، يتحدث عن الشفافية، ويوقّع عقود الاتصالات والكهرباء باسم التطوير. تُهدر الأموال، وتُقاسِمها الوجوه نفسها، بينما يُطالَب الناس بالصبر والتضحية.
كبر الأطفال الذين سمعوا الحكاية، وصاروا آباءً يروونها لأولادهم. تغيرت الوجوه، لكن اللعبة واحدة. إصلاحات على الورق، وانقطاع في الواقع، وفواتير أعلى مقابل خدمة أقل.
وفي كل مرة يسأل أحدهم: متى يأتي النور؟ يجيبه التاريخ بصوتٍ متعب: حين لا يعود الفساد بطلاً، ولا يُصدّق الناس الكذبة حين تُغلَّف باسم الإصلاح.
كانت الوعود تتكرر في نشرات الأخبار، بلغةٍ تقنيةٍ معقدة، تُخفي خلفها الصفقات. يُقال إن الشبكات ستتحسن، وإن المعامل ستعمل قريباً، لكن المولدات تزداد، والأسلاك تتشابك، والظلام يصبح تجارة. المواطن يدفع مرتين، مرة للدولة، ومرة للبديل، ولا يحصل إلا على التعب. هكذا يتعلم الناس التعايش، لا مع النقص، بل مع الكذب، ويصبح الانتظار عادة، والاعتراض تهمة، والصمت شرطاً للبقاء.
وفي ذاكرة البلاد، تبقى الحكاية درساً قاسياً، يذكّر بأن الإصلاح الحقيقي لا يولد من الشعارات، بل من مساءلة صادقة، وعدالة، وقطعٍ نهائي مع منظومة اعتادت سرقة الضوء والصوت معاً.
حتى يصبح الأمل فعلاً، لا وعداً، ولا سلعة في أيدي الفاسدين. يوماً ما قريباً. حقيقةً.