حزمة ضرائب جديدة أقرتها الحكومة فاهتزّت البلاد، واهتزّت معها حناجر السياسيين. فجأة، اكتشف الوزراء أنهم ضد القرار الذي اتُّخذ في الجلسة التي حضروها، وربما شاركوا في صياغته. إنها معجزة سياسية لبنانية أن تكون في الحكومة وضدها في الوقت نفسه.
ارتفعت الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%. «واحد بالمئة فقط»، يقولون. في بلد طبيعي، قد تكون فعلاً «واحداً». أما في لبنان، فهي كفيلة بتحويل ربطة الخبز إلى سلعة استثمارية، وفنجان القهوة إلى مشروع تمويلي طويل الأمد. صفيحة البنزين زادت 300 ألف ليرة، لأن المواطن كما يبدو لم يكن يعاني بما يكفي.
سائقو التاكسي قطعوا طريق خلدة وأقفلوا الرينغ. مشهد كلاسيكي شعب يقطع الطرقات ليُسمع صوته، ودولة تقطع رزقه لتؤمّن إيراداتها. زحمة السير خانقة لكن الاختناق الحقيقي ليس في الشارع… بل في الجيوب.
الحكومة منحت الموظفين «ستة رواتب إضافية» يا للكرم! لكنها ليست ضمن أساس الراتب، ويمكن سحبها في أي لحظة، وربما تُحتسب في خانة «الهدايا الموسمية».
أعطتك بيد، ثم رفعت الضريبة باليد الأخرى. عملية حسابية عبقرية: زيادة + ضريبة + رسوم + بنزين = صفر مع ابتسامة رسمية.
أما التبرير، فهو قصيدة إصلاحية طويلة: 800 مليون دولار كلفة، 207 ملايين من رفع الـTVA، والباقي من جيب المواطن الذي لم يعد يملك جيباً أصلاً. الدولة قررت أن تموّل نفسها من المستهلك، لأن المستهلك لا يملك لوبيات ضغط، ولا مؤتمرات صحافية، ولا حسابات مصرفية في الخارج.
اللبناني وحده يملك امتيازاً فريداً: يموّل الدولة، ويُعارضها، ويتحمّل نتائجها، ويصفّق لخصومها، ويصوّت لها مجدداً.