بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

20 أيلول 2025 12:00ص ليلى

حجم الخط
ليلى، فتاة وُلدت في زقاقٍ ضيق من أزقة مدينة مكتظة، حيث لا تُسمع فيها سوى ضوضاء المولدات، ولا يُرى فيها إلا ظلال الخائفين. كانت في صغرها تحلم بأن تصبح مهندسة، تبني الجسور لا فقط بالخرسانة، بل بين القلوب أيضًا، ظنّت أن بالعلم والعمل ستنتصر. لم تكن تعلم أن النية الطيبة في هذا الوطن تُعد ضعفًا، وأن الصدق يُستبدل بالمساومة، وأن الكفاءة تُهزم بالواسطة.
بدأت معركتها الأولى في الجامعة. كانت من المتفوقات، لكنها حين تقدمت لمنحة دراسية، قيل لها: «أسماء المرشحين قد حُسمت مسبقًا». لم تفهم، لكنها بلعت الغصة، كما يبتلع أهل البلد خيباتهم اليومية.
ثم جاءت معركتها الثانية، حين حاولت الدخول إلى سوق العمل. اجتازت الاختبارات، نالت إعجاب لجان التوظيف، لكن الوظيفة ذهبت لإبنة مسؤول نافذ. طُلب منها مرارًا «التنازل قليلاً» كي تسهُل عليها الأمور، لكنها كانت عنيدة، تؤمن أن الحق يؤخذ، لا يُستجدى.
أما على الصعيد العاطفي، فقد أحبّت مرةً بصدق، لكنها اختارت رجلاً خائفاً، تمامًا مثلها. خاف من المواجهة، من عائلته، من المجتمع، من الفقر، من كل شيء، حتى منها. تركها خلفه كأنها حلمٌ سيِّىء، ومضى.
لم تنكسر، رغم كل شيء. ظلت تقاوم، تحمل حقيبتها كل صباح وتمضي إلى عمل متواضع، دخلت في مشاريع صغيرة، ساندت نساءً مثلها، كتبت، تحدثت، صرخت، وانكتم صوتها مرات، لكنها لم تصمت. صارت تقرأ كثيرًا وتكتب أكثر. أصبحت حكايتها أشبه بمرآة لكل فتاة تعيش في وطن لا يحمي، لا يرحم، لا يرى، وطن بلا رعاية، بلا ضمانات، بلا أمل، لكنه موطن القلب، والمصيبة أن القلب لا يهاجر بسهولة.
لكنها لا تزال الى اليوم تقاوم. تكتب، وتزرع، وتُحب الحياة رغم كل شيء.