بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

24 كانون الثاني 2025 12:00ص ملامح أخرى!

حجم الخط
لا أعرف غالبا ما تقوله لي الموسيقا. فقط أستمع إليها وهي تجري كالنهر. هل إلى الحزن تأخذني أم إلى الفرح؟ هل إلى عالم الأفكار المعقدة أم إلى عالم المشاعر البسيطة؟ لست أدري حقا. 
كل ما أدركه حينها شرودي الطويل أمام أنغامها الحبلى بالكائن الغريب الذي لا يكشف عن وجهه أبدا. ما لهذه النقرة الخفيفة لا يزول أثرها في رأسي؟ نقرة صغيرة تجعلني أقفز فوق حواجز كثيرة تُقطّع إلى أشلاء طريقي الصعب. 
ها أنذا أرتفع عن الآن والهنا وأحلق بعيدا عن واقعي كأنني فوق وسادات من الهواء والضوء. هنا في البعيد جدا لا أرى الكلام. فراشات الصمت وحدها تنسّق ألوان المكان من حولي وتمتص رحيق الزمان. 
أختار جهة في هذ المدى  وأركن إليها. لعلي أحتسي فنجان قهوة على مهل. حبات البن الشقراء والسوداء ترقص حول فنجاني وتعزف هدوءا بليغا في قلبي. أمواج أمواج تعلو وتهبط في كياني المتوتر وذكريات من كل حدّ تنسكب في روحي.   
أطفئ الموسيقا فجأة. كلمات من حولي تُعيدني إلى مقعدي في الغرفة الصغيرة. أضع قدميّ على الأرض وأمشي ثقيلا نحو غرفة أخرى. شال الموسيقا من خلفي يلملم أنغامه ويفكك أوتاره المعلقة في ذاكرتي. أرجع إلى صورتي في المرآة. أرى أشخاصا كثيرين من خلفي لا تعنيهم نظراتي الحادّة إلى الأمام. يتحدثون بأصوات مبهمة. وجوههم ترابية. وفي أيديهم  ألحان مكسورة يضعونها في صناديق خشبية كبيرة. 
كيف لي أن أهرب من صورتي البارزة؟ أكسر المرآة بحجر. أنتزع منها صورتي وأمزقها. لن يراني أحد بعد اليوم. لا هيأة لي. هل تحولت إلى شبح؟ سأشعل الموسيقا مجددا وأرسم لي ملامحا أخرى.