لسنا هنا في معرض الدفاع أو الهجوم. ولسنا نُصدّر أحكامًا أخلاقية أو قانونية. لكننا، كشعب يستهلك الفن كما يستهلك موضة «تيك توك»، لا بد أن نتوقف قليلًا أمام موجة الترحيب «الحنونة» بعودة الفنان فضل شاكر، وكأن شيئًا لم يكن. فهل نعيش فعلاً إحساسًا حقيقياً؟ أم أن «الإحساس» بات عملة رائجة في بورصة الترندات؟
فضل شاكر، الصوت الدافئ الذي ملأ قلوبنا شجنًا ذات يوم، انسحب من المسرح يوم أمسك بيد الشيخ السلفي أحمد الأسير وأعلن اعتزاله، لا لأنه «تعب فنيًا»، بل لأنه اختار موقفًا صادمًا: التحريض ضد الجيش اللبناني، المؤسسة التي تشكل آخر ما تبقى من عمود خيمة هذا الوطن. الفيديوهات لا تزال موجودة، الكلمات لا تزال تُدمي، والوقائع لم يُمحها لحن «كيفك ع فراقي».
يبدو أن الذاكرة الشعبية قصيرة، أقصر من مدة أغنية على «يوتيوب». يكفينا صدور أغنية واحدة جديدة حتى نُصفّق و«نحسّ» ونذوب، وكأن الكلمات القديمة لم تكن تحرّض على الدم، وكأن الغياب عن الفن غفر المشاركة في مشهد سياسي/عسكري غامض وخطير. هل نغفر فقط لأن «الصوت جميل»؟ وهل الجمال يمحو الجريمة، أو حتى الشبهة؟
مشكلة فضل شاكر ليست فقط في التهم الموجهة إليه، بل في التخبط العاطفي والفكري الذي يقدّمه. فكيف لمن مشاعره نفسها تقف على قارعة الطريق، أن ينقل لنا «الإحساس»؟ هل نصدق أنه عاشق، وهو الذي وقف خطيبًا سياسيًا؟ هل نسمح لمشاعرنا أن تنخدع بكل هذا التناقض؟ أم أننا، فعلاً، شعب بلا إحساس فني حقيقي، نعيش على الهالة لا الجوهر؟.