بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

14 شباط 2025 12:00ص من باريس إلى بيروت

حجم الخط
في باريس تشعر أن الزمن يمر سريعا، وأن الناس ليس لديهم  الوقت لانتظار الوقت. الكلّ يمشي بخطوات مستعجلة وبرأس مرفوعة نحو الهدف. مدينة تتحدى كل إيقاع رتيب وتملك الشجاعة على التغيير وحتى على الانقلاب على نفسها رغم عنايتها الفائقة بالتاريخ. مبان أثرية كالكحل في عين العصر يعود معظمها - كما قيل لي- إلى القرن التاسع عشر وتحديدا مع «هاوسمان» الذي لا تزال يده فاعلة في ترتيب أناقة باريس وإبراز جمالها. 
الباريسيون عمليّون جدا ويفضلون أخذ الحياة على محمل الجدّ أكثر من الظهور بقناع اللطافة أمام الآخرين. ربما كعربيّ ستشعر بالوحدة أو بالغرابة لانك لن تجد بسهولة ضالتك في الحوار مع أحد يشاركك المترو أو القطار أو يجلس على كرسي قبالتك في مقهى رصيفيّ يكسر بعضا من حدّة البرد القارس في الخارج.
الأخوّة التي تأتي ثالثا في شعار الجمهورية الفرنسية العلمانيّة لا تتجلّى في الشارع على نمط أحاديث عابرة أو علاقات تخلقها الصدفة والظروف المجانية على غرار ما يحصل في عالمنا العربي بل تتجلّى في علاقة الفرد برب العائلة الذي هو الدولة! فالدولة بمعناها العميق حاضرة في كل مكان وفي كل صغيرة وكبيرة، وكأنها الروح الكليّة التي تقمّصتها أجساد الجميع وراحت تقودها إلى حيث تريد. 
 وطأة الدولة ثقيلة ستُحسّ بها على الفور في شبكة الطرقات والمواصلات العامة (مترو- قطار- تراموي) وفي الحركة التجارية الهادرة، وفي الوجوه الكثيرة التي تشكل في الشارع وفي المحال والمخازن لوحة عالمية بألوان مختلفة. كما أن حضور الشرطة طيلة اليوم وانتشار عناصرها من الذكور والإناث بجدايلهنّ الشقراء أو بملامحهم الأفريقية القوية يضفي شعورا بالأمن ويبرز العصا الغليظة للدولة. 
باريس امرأة جميلة وأنيقة تركب المترو كل صباح ومساء وتحمل على ظهرها أعباء العمل وأكلاف العيش، ومع ذلك لا تنسى أن تمشّط شعرها كلما نزلت من المقصورة أو تهيّأت لدخول مقهى أو المشاركة بسهرة في مطعم. 
ومن باريس إلى بيروت لا استطيع أن أحمل بدوري باستثناء بعض الهدايا والتذكارات الصغيرة، سوى أسئلة وشكوك كثيرة حول حقيقة ما يجري في لبنان؟ ربّ موقف شخصيّ لا يقتل الأمل بل يستجديه. في هذا السياق سألني صديق فرنسيّ: كيف هو لبنان ما بعد الحرب المدمرة؟ أجبته باختصار: للحياة وجه آخر.