في بلدٍ على أطراف الصبر، كانت الشمس تشرق كل صباح على وجوهٍ أنهكها الانتظار. لم يكن الناس هناك يحفظون أسماء الحكومات بقدر ما يحفظون أوجاعها؛ كل عهدٍ يأتي وهو يلعن الذي قبله، ويعد بالخلاص، ثم لا يلبث أن يصبح هو الحكاية الأثقل.
كانت الحكومة الأولى تُحمّل سابقتها خراب الخزائن، والثانية تُقسم أن الأولى أخفت الحقائق، والثالثة تتحدث عن «إصلاحات مؤلمة» لا يشعر بألمها إلا من يشتري خبز يومه بالقطعة. لم يجدوا موردًا أسهل من جيوب العمال، ولا حيلة أسرع من ضريبةٍ جديدة. كلما ضاق الحال، قالوا: «الظروف تفرض ذلك».
ثم جاء القرار الأخير: ضرائب إضافية، ورفعٌ لسعر البنزين. صار الطريق إلى العمل رحلة حسابات؛ كم سيبقى من الراتب بعد الوقود؟ كم ستلتهم الفواتير؟ وكم سيبقى للأطفال؟.
في أحد الأحياء الشعبية، جلس سامر على درجٍ إسمنتي، يحدّق في هاتفه القديم. كان قد تعب من الصمت. لم يكن سياسيًا، ولا ناشطًا معروفًا، كتب رسالة، لم يوجّهها لشخص بعينه، بل «إلى العهد والحكومة»، جاء فيها:
«تقولون إنكم جئتم لتصححوا أخطاء من سبقكم. لكنكم لم تصححوا سوى أرقام الضرائب، ولم ترفعوا سوى أسعار البنزين. لم يبقَ لكم إلا جيوب الفقراء، تمدّون أيديكم إليها كلما عجزتم عن محاسبة الفاسدين أو تقليص امتيازات الكبار. نحن لسنا أرقامًا في جداولكم، ولسنا وقودًا لسياساتكم.
لقد بلغ الأمر ذروته. لسنا ضد الوطن، بل نحن الوطن. وإن كنتم تخافون على استقرار الكرسي أكثر من خوفكم على استقرار البيوت، فاعلموا أن البيوت إذا انهارت، لن يبقى للكرسي معنى.«لقد بلغ الأمر ذروته. لسنا ضد الوطن، بل نحن الوطن».