في بلدٍ يومياته على حافة السخرية ومهوار المأساة.. يضحك من شدّة البكاء ويبكي لقلّة الفرح.. صدمة اجتاحت الشارع اللبناني خلال اليومين الماضيين.. «أخيراً اللبنانيون رفعوا رؤوسهم».. «رفعوها فعلاً» لكن لا فخراً ولا مجداً.. ولا لأنّ دولتهم العليّة قرّرت أنْ تصحوَ من غيبوبتها.. بل لأنّ طائرات الاستطلاع الإسرائيلية استوطنت سماءهم.. على علوٍّ منخفض جداً ما جعلها تُرى جهاراً نهاراً..
سماء لبنان تحوّلت إلى ساحة عامّة أو أرض بور لا صاحب لها.. كُرمى لرادارات الـ»MK» الإسرائيلية.. التي استباحت الأجواء من أقصى البلد إلى أقصاه.. ومنحت بيروت بكل أرجائها حتى القصور الرئاسية حيّزاً واسعاً من «شرف الانتهاك».. فلم يعد الخرق الجوي حِكراً على الجنوب أو البقاع.. لا أبداً بل المُسيّرات الصهيونية على أنواعها.. صارت تحلّق فوق القصر الجمهوري والسراي الحكومي.. حتى أنّها سلّمت على الرئيس نبيه برّي ورافقت موكبه من عين التينة إلى بعبدا..
مشهد سوريالي بامتياز.. الناس في الطرقات وعلى الشرفات.. عيونهم مُعلّقة بالسماء.. كأنّهم ينتظرون معجزة إلهية أو غيث الخلاص.. والأدهى أنّهم يردّدون: «شفتوها.. هياها هياها».. وبدل أنْ نقول: «يا عيب الشوم مدعوسين».. لا بل لسان حالنا: «بعد في ناس قادرة ترفع راسها المكسّر؟!»..
في ماضينا البعيد والقريب.. كان الصبح يبدأ بصوت فيروز والعصافير.. أما اليوم فنور الصباح لا ينبلج إلا على أزيز «الست أم كامل».. التي لا تعرف التأخّر أو التقنين والإضراب.. بل تراها «حاضرة ناضرة» فوق رؤوسنا وبدوام كامل.. ترافقنا من فنجان القهوة الصباحي.. ولا ترحل قبل أنْ تطمئن إلى أنّنا أسلمنا العيون وأغلقنا الجفون.. وقد تكون ترصد ما بعد بعد أحلامنا الممهورة بكوابيس الحرب؟!
صارت جزءاً من يومنا العادي.. صوتها دخل «الخلطة اللبنانية»: «موتير الكهربا، سيترنات المي.. زمامير السيارات».. وطبعاً «نعيق السياسيين اللي بسبسبوا لبعض عالهوا.. وبيتغدّوا بعد شوي سوا».. بلد أصبح حفلاً لموسيقى الجنون: نفاق ودجل و«ضحك ع الشعب.. حتى الصهيوني إلو دور»..
في هذا البلد حتى السماء ليست لنا.. لكن المهم أنّ رؤوسنا مرفوعة.. ولو كان رفعها لنتفرّج على «سيادتنا المسروقة والمُعلّقة» بين جناحي طائرة استطلاع مُعادية.. لكن أهم الأهم أنّه لا يزال لدينا شيء ما يجعلنا نرفع رؤوسنا.. وهذه هي حكاياتنا «نحن وإم كامل».. وسجّل يا تاريخ!!!