بيروت - لبنان

اخر الأخبار

حكايا الناس

25 أيلول 2025 12:00ص «نصلّي.. نتأمل.. ونحلم»!!

حجم الخط
عند واجهة بيروت البحرية.. حيث مدَّ البحر ذراعيه لعروس شوّه الغدر ملامحها.. وجدتُ نفسي أركض في صمتٍ الجلالة الأعظم.. رحتُ أسمع صوت الفراغ يُناديني.. فأهيم في تراتيل مُشرّعة على زُرقةٍ لا حدود لها.. سافرتُ في ترانيم موجٍ سارح ما بين الأرض والفردوس الأعلى.. فغرقتُ في أنغام صمت لا يفهمها إلا الهاربون من الضجيج.. هي لحظات اختطفتني من ذاتي.. فتحوّل الجسد إلى مُجرّد غلاف عابر للوجود.. والروح ترقص مع زفرات أنفاسي كطائر فكَّ قيده وانطلق نحو «البراح المفتوح»!! 
لم يكن هدوءاً عادياً.. أو صفاء روح وجلاء سريرة..  بل كان صلاة سريّة لا تحتاج إلى محراب ولا إلى إمام.. بل صلاة خطّها القلب على إيقاع البحر.. حتى خُيّل إليَّ أنّني تحللتُ من ثقل الأرض إلى فضاءٍ أرحب.. وتساقط عنّي المكان كتساقط أوراق الخريف.. فتحرّرتُ من أسر ذاتي إلى الملكوت الأوسع!!
في تلك اللحظة.. لم أعد أرى ضجيج المُدُن العربية المُثخنة بالجراح.. ولا دموع غزّة التي تبلل الضمائر.. ولا سيول الوجع المتدفقة في «لبناني».. ولا حتى أي قطرة من دماء العُربان المهدورة بسبب عدوانات الصهاينة الممتدة من المحيط إلى الخليج.. كُنتُ هناك وحدي مع نفسي.. مُنسلخاً من كل ما أثقل كاهلي.. حتى سكنني الكون فبلغتُ سُدرة المنتهى.. وطفتُ كنسمة ربيع عليلة تتسلل من شقوق الحياة.. لتقول لها: ما زال فيكِ شيء يستحق أنْ يُعاش.. وما زالت للروح أجنحة تستطيع أنْ تحلّق ولو للحظة!!
لكن ما أنْ فتحتُ عينيَّ على واقعي.. حتى وجدّتني لبنانياً محكوماً بالانتظار والصبر.. وجدتني مواطناً يُطارد لقمة عيشه وسط غلاء ينهش الجيوب.. وفسادٍ ينخر الدولة كالسوس في الخشب.. أحمل همَّ فاتورة الكهرباء التي لا تُنير.. وهمّ مياهٍ تُقطع أكثر مما تُوصل.. ودواءٍ يُفتقد حتى في أشدّ اللحظات حاجة.. كأنّي أعيش في مسرحٍ عبثي.. أبطاله سماسرة السياسة وتجّار الأزمات.. بينما الجمهور «نحن» فندفع ثمن العرض بدمنا وأعصابنا وأحلامنا.. ومع ذلك نصبر ونصبر ليس لأنّنا اخترنا الصبر.. بل لأنّ لبنان علّمنا أنْ نزرع الأمل في الصخر.. وأنْ نحيا على قناعة أنَّ الفجر سيولد يوماً ولو طال ليل العتمة!! 
عُدتُ إلى سيّارتي وقد تعلّمتُ في «لحظات من صمت» درساً لكل العمر.. الحياة ليست ما نُعانيه فقط بل أيضاً ما نرجوه.. ونحن رغم كل الجراح باقون هنا «نصلّي.. نتأمل.. ونحلم».