ليئور أكرمان
مع انتهاء الحرب في معظم الجبهات وعودة جميع المختطفين الأحياء ومعظم القتلى، يبدو أن حكومة إسرائيل بدأت تعود إلى نوع من الروتين في مجالات عديدة، لكن هذا الروتين ليس بالضرورة إيجابياً. فهناك إجراءات تفرضها الحكومة تقود خطوات استراتيجية ورؤيوية، لكنها مدمرة بصورة خاصة، لتغيير ملامح دولة إسرائيل وطبيعتها.
فقضية التجنيد وتقاسم العبء لا تزال بلا حل؛ إذ إن الحكومة لا تلتزم بحكم المحكمة العليا لسن قانون التجنيد كما طُلب منها، إنما تستمر في تأجيل الحل العادل، وتمتنع من التشريع وكذلك من تجنيد الحريديم، وتحاول تأسيس آليات التفافية تسمح لها بالاستمرار في تجنب تجنيدهم، الأمر الذي يزيد العبء على الفئات التي تؤدي الخدمة فعلياً. ومن المتوقع أن يعمق هذا المسار الانقسامات والاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي، ويمكن أن يصل – في غياب حل – إلى حرب أهلية مستقبلية، إذ لا يبدو أن الأطراف قادرون على التوصل إلى تسوية مقبولة.
ومع انتهاء الحرب، تعود إلى الواجهة الدعوة إلى إقامة لجنة تحقيق رسمية للتحقيق في أسباب الأحداث، والكشف عن الإخفاقات والمسؤولين، والأهم وضع الأسس لمنع تكرار أحداث مشابهة مستقبلاً، لكن الحكومة ترفض ذلك خشية تحميلها المسؤولية، وتحاول إيجاد بدائل غير مناسبة، كلجنة تحقيق حكومية أو برلمانية لا تملك صلاحية تحميل الحكومة المسؤولية.
وفي مجال الحكم والقضاء، تواصل الحكومة ورئيسها حرباً مفتوحة ضد المحكمة العليا ورئيسها، بهدف المس بشرعيتها كجهة مخولة بمراقبة أعمال الحكومة أو ترؤس لجنة تحقيق رسمية. وتمتنع القيادة السياسية من دعوة رئيس المحكمة العليا إلى المناسبات الرسمية، وترفض التعاون مع المحكمة كما يقتضي الأمر في دولة ديمقراطية سليمة.
كذلك الأمر، فقد عادت الحرب ضد المستشارة القضائية للحكومة بأقصى قوتها، في محاولة لتحييد صلاحياتها القانونية. وتسعى الحكومة للدفع بقانون يفصل منصب المستشار القانوني، بصورة تحد من قدرتها على التأثير في قرارات الحكومة. وحتى في القضية الأخيرة المتعلقة بالمدعية العسكرية العامة – والتي تشكل بلا شك وصمة خطِرة على منظومة القضاء العسكري – تحاول الحكومة الزج بالمستشارة القضائية في القضية واتهامها جزافاً بلا أي دليل.
وفي مجال الحكم الرشيد، بدأت الحكومة تدفع بتشريعات تسمح بتعيين مقربين وناشطين سياسيين كأعضاء مجالس إدارة شركات كبرى، وهو ما يتناقض مع المعايير المهنية والاقتصادية، بهدف السيطرة السياسية على آليات الإدارة والاقتصاد من دون رقابة.
وفي مجال الأمن الداخلي، يواصل الوزير المسؤول العمل خلافاً للقانون والتعليمات عبر إصدار أوامر مباشرة لضباط الشرطة والتدخل غير المشروع في نشاط الشرطة. ووفق سياسة الوزير والحكومة، تمتنع الدولة تماماً من إنفاذ القانون ضد الإرهابيين اليهود في الضفة الغربية، وهو ما يسمح بتصاعد النشاط القومي المتطرف بطريقة يمكن أن تدفع إلى انتفاضة فلسطينية شعبية، بالإضافة إلى موجة الإدانات الدولية.
وبعد عودة المختطفين الأحياء، اتضح أن تصريحات الوزير وسياساته أدت مباشرة إلى زيادة الضغط والتعذيب على المختطفين في غزة، وربما تسببت بوفاة بعضهم. وهذا أيضاً يستوجب التحقيق من جانب لجنة التحقيق الرسمية عند إنشائها.
وكشف تقرير مراقب الدولة مؤخراً أن وزارة المالية لم تكن مستعدة إطلاقاً لحالة الحرب، ولم تستجب بصورة صحيحة بعد اندلاعها، وهو ما ألحق أضراراً هائلة بالاقتصاد الإسرائيلي والاحتياطات المالية للدولة.
ويواصل وزير الاتصالات محاولاته تنفيذ «إصلاح» في قطاع الاتصالات يتيح للحكومة إغلاق وسائل إعلام غير موالية لها وتمويل وسائل إعلام داعمة. كما يحاول تعيين موالين للحكومة في مناصب الرقابة الإعلامية لمنع أي رقابة خارجية وتشجيع الدعم لخطوات الحكومة.
أمّا اقتصادياً، فإن إسرائيل مضطرة إلى مواجهة أزمة اقتصادية مستمرة بدأت قبل أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر بسبب خطوات الانقلاب القضائي الذي قادته الحكومة، والذي أدى إلى خفض التصنيف الائتماني للدولة، وهجرة أدمغة واسعة النطاق، وخروج شركات عديدة نقلت معظم نشاطها إلى الخارج.
إن الحرب التي استمرت عامين كلفت الدولة ثمناً باهظاً بالأرواح ومئات المليارات من الشواكل، بالإضافة إلى العجز الحكومي الذي كان مرتفعاً حتى قبل الحرب، ويشكل اليوم تحدياً كبيراً سيدفع ثمنه جميع المواطنين والأجيال القادمة.
عند تحليل كل ما سبق، فضلاً عن محاولات لجان الكنيست التدخل في عمل جهات مستقلة كقادة الأجهزة الأمنية والقضائية، تتشكل صورة قاتمة جداً تشير بوضوح إلى اتجاهات عمل الحكومة الحالية، التي تسعى لتغيير طبيعة الحكم في إسرائيل وإرساء نوع من الديكتاتورية الخاضعة لسيطرة الحكومة وحدها، من دون رقابة قضائية أو إنفاذ قانون أو نقد إعلامي.
وبالنسبة إلى بعض أعضاء الحكومة، تبدو هذه الخطوات طبيعية وصحيحة للدولة، وخصوصاً للحريديم والتيار الديني القومي المتطرف، كالوزيرين سموتريتش وبن غفير، إذ يعملون لتعزيز طابع الدولة كـ»دولة شريعة» على حساب كل مظاهر الديمقراطية والتعددية.
وهذه اتجاهات خطِرة جداً يمكن أن تقود الدولة إلى حضيض جديد، اجتماعياً واقتصادياً ودولياً.
هناك حاجة إلى تغيير سريع وجذري في سلوك القيادة المنتخبة، مع رؤية مصلحة الدولة وجميع مواطنيها فوق مصالح مجموعات أقلية. من دون إجراء تغيير في أولويات الحكومة والتركيز على إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لإسرائيل، سيكون من الصعب تطوير الدولة وإعادتها إلى مقدمة الدول المتقدمة.
المصدر: معهد السياسات والاستراتيجيا – جامعة ريخمان، المنظّم لمؤتمر هرتسليا السنوي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية