عميره هاس
خلال نحو عشرين عاماً من نشاطه السياسي، أثبت بتسلئيل سموتريتش أنه مصمم على تحقيق هدفه، وأنه صاحب قدرة عالية على تنفيذ نياته؛ من نضاله ضد خطة الانفصال، مروراً بوقوفه على رأس منظمة اليمين «رغافيم» [حركة يمينة هدفها تطبيق جدول أعمال يهودي صهيوني على كل أرض إسرائيل]، وصولاً إلى تعيينه وزيراً مسؤولاً عن المستوطنات، وكان أول مَن قال علناً في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إن تحرير الأسرى ليس الأمر الأول في سلّم الأولويات، وكثير من مواقفه تحوَّل إلى سياسة حكومية. لذلك، يجب التعامل بمنتهى الجدية مع الخطة التي أعلنها سموتريتش أمس في مؤتمر صحافي مع كبار مسؤولي المؤسسة الاستيطانية؛ وهي الضم الرسمي لـ 82% من مساحة الضفة الغربية.
هذه ليست خدعة انتخابية أو قلقاً من استطلاعات الرأي، إنما هي نظرية متكاملة. وبحسب سموتريتش، فهو وإدارة الاستيطان في وزارة الدفاع، والهيئة الحكومية الجديدة التي أنشأها خصيصاً لغرض الضم، عملوا في الأشهر الأخيرة على رسم خرائط السيادة؛ الضم سيكون للأرض لا للناس، وللفلسطينيين خُصصت، بحسب تلك الخريطة، ستة جيوب ملوَّنة بالأصفر، منفصلة بعضها عن البعض الآخَر (مدن الخليل، ورام لله، وأريحا، ونابلس، وطولكرم، وجنين)، وهذه هي مناطق المعيشة التي سيُسمح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم فيها. وهكذا، قال سموتريتش من دون أن يرفّ له جفن أنه سيُحافَظ أيضاً على «أغلبية يهودية واضحة في دولة إسرائيل يهودية – ديمقراطية.»
وبصراحةٍ مميّزة، فسّر سموتريتش قائلاً: «ليست لدينا رغبة في فرض سيادتنا على سكان يرغبون في إبادتنا، ويجب قتال الأعداء لا تمكينهم من العيش حياة مريحة. ولذلك، فالمبدأ الأعلى في فرض السيادة هو الحصول على أقصى مساحة من الأرض مع أقل عدد من السكان.» ومع كل صراحته، فلم يكشف سموتريتش أي مصير يخطّط له للفلسطينيين الذين يعيشون في 82% من الأرض، أي خارج البقع الصفراء على الخريطة التي لن تُضم. فقط في إجابته عن سؤال مراسلة «هآرتس»، متان غولان، قال إن 80,000 إنسان سيحصلون على مكانة إقامة كالفلسطينيين في القدس. لكن ماذا عن مئات الآلاف الذين يعيشون في بيت لحم، وسلفيت، وقلقيلية، وطوباس، وأبو ديس، وفي القرى، وفي البلدات، وفي مجتمعات الرعاة؟ هل جرى حذف هذه التجمعات من الخريطة، كمناطق معزولة لن تُضم، لمجرد أسباب لها علاقة بسهولة الرسوم البيانية؟
لا يجوز عزو أي إغفال لسموتريتش إلى خطأ عرضي، فالذين يسخرون من كونه وزير مال فاشلاً لا يتقن اللغة الإنكليزية، أو سياسياً لا تؤيده استطلاعات الرأي، يتجاهلون نجاحه في دفع برامج التيار الاستيطاني–الديني – القومي الذي يمثّله بأمانة. منذ سنة 2016، عرض سموتريتش هدفه في مقابلة مع رافيت هخت في صحيفة «هآرتس: «قطع الطريق أمام الأمل الفلسطيني في إقامة دولة بين البحر والنهر»، وعدّد ثلاثة خيارات للفلسطينيين: الهجرة الجماعية الطوعية (وهي المفضّلة عنده)، وبقاء مَن يوافق على أن يكون رعيّة بلا حقوق أو تطلعات وطنية، وحرب استئصال إسرائيلية ضد مَن لا يقبل الحكم. وقال لهخت: «حين دخل يشوع بن نون إلى البلد، أرسل ثلاث رسائل إلى سكّانها: مَن أراد أن يصالح فليصالح، ومَن أراد أن يرحل فليرحل، ومَن أراد أن يقاتل فليقاتل. أساس استراتيجيته هو: نحن هنا، جئنا، وهذا لنا. والآن تُفتح ثلاثة أبواب (أمام الفلسطينيين)، لا رابع لها: مَن يريد أن يرحل، وسيكون هناك مَن سيرحلون، سأساعده. حين لا تكون لهم أي آمال ولا رؤية، سيرحلون، كما رحلوا في الـ48.»
وفي أيلول/سبتمبر 2017، بسط فعلاً نظريته في مقالة في مجلة «هشيلواح»، وعرّفها بـ «خطة الحسم». ومن أقواله عن الحاجة إلى «محو» حوارة أو عن المكانة الموقتة للفلسطينيين مواطني إسرائيل («العرب هم مواطنون في إسرائيل، في الوقت الراهن على الأقل»)، نستطيع أن نستنتج أنه يحتفظ في جعبته بخطط جذرية لأولئك الفلسطينيين الذين هم خارج الجيوب الصفراء؛ ربما، على سبيل المثال، الدفع بقوانين «الإخلاء والاقتلاع»، كتلك التي سُنّت في جنوب أفريقيا، لتجميع وضغط نحو ثلاثة ملايين فلسطيني وذريتهم في الألف كيلومتر مربع المعزولة تلك.
سموتريتش ليس «سوبرمان»؛ فقد نجح لأن القطاع الذي يمثّله بأمانة منظَّم للغاية ومصمم على تحقيق هدفه، وأيضاً لأن كثيراً من الإسرائيليين – اليهود اكتشفوا أنهم يستفيدون ويمكنهم الاستفادة من استمرار الاحتلال وتجريد الفلسطينيين؛ من السكن الممتاز والرخيص نسبياً قياساً بإسرائيل نفسها، ومن الدعم المالي، ومن الترقية الاجتماعية – الاقتصادية الملازمة لذلك، ومن الصناعة العسكرية وقطاع الهايتك، ومن المهن العسكرية التي تقوم على السيطرة الدائمة على الشعب الآخَر.
سموتريتش لم يخترع العجلة؛ فهدف إحباط إقامة دولة فلسطينية في الأراضي التي احتُلّت سنة 1967 كان مشترَكاً بين كثيرين في المعسكر المقابل (المفترض)، فيتسحاق رابين وشمعون بيريس عارضا قيامها، وكذلك إيهود باراك. أمّا فصْل سكان غزة عن سكان الضفة الغربية، الشرط الضروري لإحباط قيام الدولة، فقد بدأ في تسعينيات القرن الماضي، ومبدأ «الحد الأقصى من الأرض مع أقل عدد من العرب» ليس جديداً. فأحياناً بالتلميح، وأحياناً أُخرى بالعلن، شكّل هذا المبدأ الدليل في الحركة الصهيونية العالمية قبل سنة 1948، عندما وضعت خطط التحول الديموغرافي المتعددة في غزة والضفة الغربية.
وكان اتفاق أوسلو منذ البداية بارعاً في إبقاء مساحة واسعة في الضفة في يد إسرائيل مع أقل عدد من الفلسطينيين، وقد «استولى» قطاع المستوطنين وأنصاره المتزايدون في المؤسسة الإسرائيلية، منذ منتصف التسعينيات، على مهمة منع إعادة نحو 61% من الضفة إلى الفلسطينيين، عبر إقامة بؤر استيطانية متزايدة، والعنف المتصاعد الذي ينتجونه بلا أي عقوبة أو ردع، والضغط السياسي الهائل على الإدارة المدنية لمنع أي بناء فلسطيني، وقوانين الضمّ التي جرى التقدّم بها.
في قطاع غزة تنفّذ إسرائيل منذ ما يقارب عامين الخيار الثالث للفلسطينيين الذي رسمه سموتريتش؛ حرب تدمير وإبادة تسعى فقط لـ «الحسم»، على حد تعبير رئيس هيئة الأركان إيال زامير. فإذا كانت الإدارة الأميركية في كانون الثاني/يناير 2024 قد تنصلت من خطة الترحيل الطوعي من غزة التي طرحها سموتريتش، فهذه المرّة هناك حليف أيديولوجي لسموتريتش في البيت الأبيض يرى في نقل سكان من غير البيض كما لو كانوا مكعبات من «الليغو» من أجل تحقيق رؤية رأسمالية – عقارية كبرى أمراً طبيعياً تماماً. وفي الضفة الغربية أيضاً، تُنتهج السياسة القائمة على روح الخيار الثالث ليهوشواع وسموتريتش، وإن بأدوات أقل فتكاً: ففي جنين وطولكرم، أثبت الجيش أن الإخلاء والاقتلاع والتدمير هو النموذج المناسب، وفي كل أنحاء الضفة أُعلنت حرب اقتصادية لإفقار السكان عبر منعهم من العمل في إسرائيل، ويجري طرد الرعاة والمزارعين من أراضيهم، ومصادرة أموال السلطة الفلسطينية بحيث يعيش القطاع العام على نصف راتب، ومصادرة أموال أفراد، وإقامة حواجز عند مداخل القرى والمدن، الأمر الذي يجعلها متقطعة. وبهذا، تصبح الحركة للعمل أو الدراسة أو التجارة مكلفة جداً وغير مجدية.
في كل ما يتعلّق بالسياسة ضد الفلسطينيين، فإن سموتريتش في قلب التيار السائد، ولذلك فإن خطة الضمّ التي يطرحها ليست وهماً.
المصدر:هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية