آري شفيط
إن إسرائيل ليست ممزقة بين أحزاب، أو طوائف، أو قبائل، بل بين روايتين.
في الرواية الأولى، والتي تُسمى «ليبرالية»، استولى رجل واحد شرير وشيطاني على دولة محبوبة، واحتكرها لنفسه، وحوّلها إلى مملكته. على مدى أعوام طويلة، زرع هذا الرجل الدمار والخراب، لكن في الآونة الأخيرة، بلغ السيل الزبى. الطاغية يؤجج مشاعر مواطني إسرائيل، ويدمر مؤسساتها، ويغتال ديمقراطيتها، ويهدم الهيكل الثالث.
في الرواية الثانية، التي تُسمى «مُحافظة»، وجدت نخب متعجرفة، فقدت منذ زمن طويل ثقة الشعب، طريقة ماكرة للاستمرار في السيطرة عليه رغماً عن إرادته. على مدى عقود طويلة، قامت هذه النخب بالإقصاء والتمييز والدوس على الآخرين، لكن في الآونة الأخيرة، بلغ السيل الزبى. والآن، تقوم هذه النخب بتفعيل الرافعات القضائية، والإعلامية، والأمنية لِما يُعرف بالدولة العميقة المخيفة، من أجل السيطرة على جميع المؤسسات، واغتيال الديمقراطية، وهدم الهيكل الثالث.
الرواية المسماة «ليبرالية» تبدأ باغتيال [رئيس الحكومة السابق] يتسحاق رابين. من وجهة نظر المؤمنين بها، فإن الذي كان يقف فعلياً وراء يغئال عمير [قاتل رابين] في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1995 هو الديماغوجي البغيض بنيامين نتنياهو. ولهذا، اعتُبرت الولاية الأولى لنتنياهو غير شرعية، في نظر الليبراليين، وبذلوا كل ما في وِسعهم لإنهائها. لكن شرعية زعيم الليكود تآكلت أكثر عندما أصبح متهماً بقضايا رشوة واحتيال وخيانة الأمانة، وبدأت الشرعية بالتفكك حين ألّف حكومة يمينية متطرفة بادرت إلى تنفيذ ثورة قضائية. وانهارت الشرعية تماماً في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. بناءً على ذلك، فإن الشخص الذي يترأس الدولة اليوم لا ينظر إليه رواة الرواية الليبرالية كرئيس حكومة مُنتخب، بل كديكتاتور.
الرواية المسماة «مُحافظة» تبدأ بالطريقة التي لاحقت وسائل الإعلام بنيامين نتنياهو بها، وهيمنة المحكمة العليا على الدولة في أواخر القرن الماضي. من وجهة نظر المؤمنين بهذه الرواية، فإن الثورة القضائية التي أطلقها [الرئيس السابق للمحكمة العليا] أهارون باراك في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، والطريقة التي أُخرِس بها اليمين في عصر أوسلو وخلال فترة الانفصال، تشكلان دليلاً على أن البلاشفة الجدد استولوا على إسرائيل. لقد حلّت الهستدروت الجديدة ذات الطابع القضائي – الأمني – البيروقراطي - الإعلامي محل الهستدروت القديمة ذات الدفتر الأحمر. ولهذا، على الرغم من أن الأغلبية صوتت لليمين، مراراً وتكراراً، فإنها ظلّت القوة الحقيقية في يد اليسار. كان نزع الشرعية المستمر عن نتنياهو، في الوقت نفسه، نزعاً للشرعية عن «البيبيين» [أتباع نتنياهو]. وعلى مدار جيل كامل، جرت محاولة منهجية لإعادة الشرقيين (سياسياً) إلى المعابر، والمتدينين - الوطنيين إلى البلدات الطرفية، والحريديم إلى الغيتو. لقد أصبحت الدولة اليهودية - الديمقراطية، ديمقراطية غريبة لا يُسمع فيها صوت الشعب.
بمعنى معيّن، إن الصراع الداخلي الذي يمزقنا هو بين رواية تُبرز هوية إسرائيل الديمقراطية - الليبرالية، ورواية تُبرز هويتها اليهودية -التقليدية. لكن بمعنى آخر، يدور الصراع بين روايتين متناقضتين حول طبيعة النظام، وقواعد اللعبة، والمجتمع الحر. فبينما يشعر معارضو نتنياهو بأن مؤيدي نتنياهو يدمرون (لهم) الديمقراطية، يشعر مؤيدو نتنياهو بأن معارضيه يسلبون (منهم) الديمقراطية. وبينما يخشى أولئك الذين يُعرّفون أنفسهم كليبراليين من أن استمرار حُكم نتنياهو والمتشددين سيسلبهم حقوقهم وحرياتهم، يشعر مَن يُعرّفون أنفسهم كمحافظين أن حُكم النخب سلبهم فعلاً حقوقهم وحرياتهم. بالنسبة إلى يسار - الوسط، فإن الثورة القضائية التي يقودها ياريف ليفين هي تعبير متطرف عن احتمال تحوّل إسرائيل إلى تركيا أردوغان الجديدة، أمّا بالنسبة إلى اليمين، فإن محاكمة نتنياهو هي التعبير المتطرف عن أن إسرائيل أصبحت فعلاً تركيا القديمة، حيث السيادة ليست في يد الشعب، بل في يد القضاة والجنرالات وضباط الشرطة ورؤساء الأجهزة الأمنية.
لا يمكن فهم ما يجري في البلد من دون فهم روايتَي الهوية المتصادمتَين، ومن دون الإدراك أن كلّ واحدة من هاتين الروايتين تحتوي على مزيج متفجر من الحقيقة والكذب، ومن الوقائع والأوهام، ومن الواقع والبارانويا. ومن دون الرؤية أن الروايتين تُحوّلان الطرفين إلى ضحايا في نظر أنفسهم، يعتقد كلّ منهما أن من حقه استخدام كلّ الوسائل من أجل إنقاذ نفسه. ومن دون أن نفهم أن العنف الكامن في كلّ رواية يعزز العنف المقابل، ويجرفنا نحو دوامة قاتلة. لا يدرك رواة الرواية الليبرالية حقاً إلى أيّ مدى تهدد أفعالهم القسرية هوية مَن يقف على الطرف الآخر من الشارع، ورواة الرواية المُحافظة لا يستوعبون فعلياً مدى الرعب الذي تثيره أفعالهم القسرية لدى مَن يقف على الطرف الآخر من الشارع. لا يوجد تعاطُف، ولا توجد نزاهة، ولا يوجد مقياس واحد للجميع. بدلاً من أن نستمع إلى بعضنا البعض، ونفهم بعضنا البعض، نحن نصرخ ونضرب ونركل. وتحوّل حوار الصمّ إلى شجار سكارى يفتّت مؤسسات الدولة، ويدمر كلّ قاعدة أخلاقية، ويقودنا إلى حافة حرب أهلية.
لكي نمنع الكارثة، نحن بحاجة إلى رواية ثالثة. لا بد من اتخاذ خطوة، فلا خيار أمامنا سوى أن نبدأ بكتابة الرواية المشتركة التي تحررنا من التعصب والتطرف، وتدمج في طياتها عناصر الحقيقة الكامنة في كلتا الروايتين. الحل المطلوب واضح: حوار قائم على الحقيقة، والاحترام المتبادل، وقواعد لعب واضحة ومتفق عليها تسري على الجميع، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة، وتنازُل عمّا يعتبره اليسار محاولة لاغتيال الديمقراطية (الثورة القضائية)، في مقابل تنازُل عمّا يعتبره اليمين محاولة لاغتيال الديمقراطية (محاكمة نتنياهو). لكن الحل العملي يجب أن يُدمج داخل رواية جديدة ومشتركة، فهي وحدها القادرة على تمكيننا من العيش معاً تحت سقف واحد. إن البديل هو دمار كامل للديمقراطية الإسرائيلية وخراب الهيكل الثالث.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية