ميراف باتيتو
إن لقاءات أبناء الأقليات مع قوات الشرطة لا تنتهي مطلقاً على خير، لكن حتى مع اختلاف أسماء الله لدى كل من الطرفين، سيكون من الصعب جداً تفسير الفجوة الجنونية في خاتمة الحدث عندما يتعلق الأمر باليهود الحريديم في مقابل العرب: هؤلاء يتعرضون للقتل يومياً، وأولئك يواصلون خرق القانون؛ هؤلاء يعيشون داخل مخزون من السلاح غير الشرعي آخذ في الازدياد، وأولئك يقيمون داخل فقاعة معفاة من الضرائب تتمدد بسرعة؛ هؤلاء يعتمدون على رحمة النظام، وأولئك يديرونه. كل طفل في إسرائيل يعرف، حتى من دون أن يشرح له أحد، أنه لو خرج آلاف العرب إلى شوارع طمرة، وأحرقوا سيارات الشرطة واعتدوا على مجنّدات الجيش الإسرائيلي [مثلما فعل اليهود الحريديم]، لكانوا في أفضل الأحوال اعتُقلوا منذ زمن، أو أُطلق الرصاص في اتجاه سيقانهم في أسوأ الأحوال.
إن مرآة الأقليات الإسرائيلية أكثر سواداً من أي وقت مضى، والشرطة هي آخر مَن يمكنه إصلاح الصورة القبيحة التي تنعكس علينا من تلك المرآة. فمع وزير يستمتع برؤية كيف يقتل العرب بعضهم بعضاً لأنه لا يميز بين عربي إسرائيلي وفلسطيني، وبالنسبة إليه، الجميع أعداء «المملكة»؛ ومع رئيس حكومة عيّنه من أجل الحفاظ على سياسة صامتة استمرت أعواماً طويلة بغضّ الطرف عن ازدهار منظمات الجريمة؛ ومع رؤساء أحزاب من كامل الطيف السياسي - من غانتس إلى بينت - يقفون في طابور للحصول على ختم «لن أصافح يداً عربية»، ويركضون إلى كل ميكروفون لبيعنا أكاذيب بشأن الوحدة، ليس من المنطقي أن نتوقع قيام رجال الشرطة بالعمل الذي لم يقُم به صاحب السيادة.
هذه ليست وجهة نظر، بل حقيقة: فمن سنة 1948 وحتى سنة 2009، كان عدد العرب القتلى في إسرائيل أقلّ من عدد اليهود. وهناك أمثلة لذلك: في سنة 1980، قُتل 58 يهودياً و11 عربياً؛ في سنة 1985، قُتل 75 يهودياً في مقابل 14 عربياً؛ في سنة 1995، قُتل 50 يهودياً في مقابل 19 عربياً. هذا الاتجاه - أن يُقتل يهود أكثر من العرب- لم يُكسر؛ ففي سنة 2000، قُتل 63 عربياً و91 يهودياً؛ في سنة 2002، قُتل 82 عربياً و126 يهودياً، وهكذا استمر الأمر حتى سنة 2010 التي تميزت بأنها كانت سنة الانقلاب، حين تراجع عدد القتلى اليهود إلى المرتبة الثانية، وتصدّر العرب جدول الدماء مكانهم.
إن المسألة ليست مسألة ثقافة، بل مسألة سياسة. ومَن غير بنيامين نتنياهو، الذي جلس على كرسي رئاسة الحكومة قبل أشهر قليلة من بداية تلك السنة، قادر على رسم سياسة من دون الاعتراف بها؟ لا حاجة إلى قول كثير من الكلام، يكفي الإهمال بصمت، عبر تمزيق بطانية الطمأنينة التي تغطي البشر، قطعةً بعد قطعة، واقتلاع ستائر بيوتهم وترك أطفالهم ونسائهم ومسنّيهم مكشوفين أمام خطر الموت، لا عبر أوامر، بل عبر غضّ طرف لا يعرف كيف يقرأ الأرقام التي انقلبت فجأة من تلقاء نفسها: في سنة 2014، قُتل 54 يهودياً و75 عربياً؛ في سنة 2019، قُتل 48 يهودياً و84 عربياً؛ ومن هناك، يمكنكم متابعة الأمر يومياً ومتابعة «مؤشر القتل» الذي يحطم الأرقام القياسية، والانتقال إلى العدّ بالمئات، بدلاً من العشرات.
إن الإنسان العربي يمثل كل ما نرفض أن نراه بشدة، من العنصري، على طريقة الوزير بن غفير، إلى العامل في الهايتك في تل أبيب الذي ما زال يعتقد أن العرب يُقتلون على خلفية «شرف العائلة». نحن عميان عن مساهمتهم في سوق العمل الإسرائيلية، وعن حضورهم في الأكاديميا، وفي شوارع المدن. ولو اندلع إضراب عربي ليوم واحد، لن يُسحب فقط عمال البناء من حياتنا، بل أيضاً عشرات الآلاف من الصيادلة، والمعلمين، والمحامين، والأطباء والممرضات، والأطباء البيطريين، وأمناء الصندوق، والمربيات، والمعلمات، ومديرات رياض الأطفال، والعاملين في الرعاية، وموظفي البنوك، وغيرهم. نحن عميان عن حضورهم المسؤول خلال حرب «7 أكتوبر»، وعن نبوءات الغضب التي لم تتحقق قط بشأن انضمامهم إلى العدو من الشمال والجنوب، عميان عن رغبتهم في العيش إلى جانبنا كمتساوين بين متساوين.
هم ليسوا صهيونيين، تماماً مثل الحريديم؛ لا يخدمون في الجيش؛ فهم ينتمون إلى الشرائح الدنيا والمتوسطة في المجتمع الإسرائيلي؛ يؤمنون بالفصل بين الجنسين؛ يعانون جرّاء انعدام الثقة بمؤسسات الدولة، وجرّاء غياب يد القانون الرادعة؛ ويخضعون لسلطة رجال الدين، تماماً مثل الحريديم. ربما من المؤلم سماع ذلك، لكن على الأقل، العرب لا يصرخون «نموت ولا نتجنّد»، في الوقت الذي يقطعون شرايين المواصلات الرئيسية في وسط البلد، وبالتأكيد لا يُطلق سراحهم من الاعتقال بعد يوم واحد على اقتيادهم أمام الكاميرات على أيدي الشرطة. ربما من المؤلم فَهم ذلك، لكن حكومة إسرائيل تعرف جيداً كيف تُخضع عائلات الجريمة اليهودية، لكنها تختار ألّا تتخذ الإجراءات نفسها حيال المجتمع العربي.
والآن، حان دورنا لنقرر مع أي طرف نقف: الطرف الذي يساعد السياسيين على ركوب موجة كراهية الأقليات، بينما يعزز في الوقت نفسه القوى المناهضة للصهيونية؟ أم الطرف الذي يساعد نفسه على التفكير، بوضوح، في مصيره ومستقبله في دولة تتنكر لمواطنيها؟
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية