يوني بن مناحيم
نفت وزارة الخارجية السورية في 23 آب/أغسطس 2025، رسمياً، التقارير التي نُشرت في بعض وسائل الإعلام العربية بشأن توقيع اتفاق أمني وتطبيع بين إسرائيل وسوريا، برعاية الولايات المتحدة، في 25 أيلول/ سبتمبر. انتشرت الشائعات عقب لقاءٍ في باريس، الأسبوع الماضي، بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والوزير الإسرائيلي للشؤون الاستراتيجية رون ديرمر.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» بأن وزير الخارجية أسعد الشيباني التقى وفداً إسرائيلياً في باريس يوم الثلاثاء، 19 آب/أغسطس، «لمناقشة عدد من القضايا المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة، وفي جنوب سوريا». وأشارت الوكالة إلى أن المحادثات ركزت على «خفض التوتر، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، والتوصل إلى تفاهمات تدعم الاستقرار الإقليمي، فضلاً عن مراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، في جنوب سوريا».
وبحسب مصادر سورية، كان هذا اللقاء الثاني من نوعه في باريس خلال أقل من شهر، بمشاركة المبعوث الأميركي توم براك، والهدف الأساسي من المحادثات معالجة القضايا في جنوب سوريا، بما في ذلك في محافظة السويداء، حيث تسعى إسرائيل لضمان استمرار الحكم الذاتي للطائفة الدرزية، وفتح «ممر بري» من إسرائيل إلى السويداء لنقل مساعدات إنسانية إلى الدروز في أعقاب المجازر الأخيرة التي استهدفتهم.
عُقد اللقاء في باريس، بعد نقاش بين براك والشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، حيث طرح الشيخ طريف عدداً من المطالب العاجلة:
بدء وقف إطلاق نار دائم في محافظة السويداء.
فتح ممر برّي آمن من إسرائيل إلى السويداء لإيصال مساعدات إنسانية، بإشراف أميركي.
رفع الحصار عن منطقة السويداء.
إطلاق سراح نحو 100 رهينة درزية، هم في معظمهم، من النساء والأطفال، المحتجزين لدى العشائر البدوية، وإعادتهم إلى منازلهم في السويداء.
وصف النظام السوري الجديد الاجتماع في باريس بأنه لقاء «عادي»، وشدّد على أن الأطراف ناقشت الحفاظ على وحدة سورية ورفض أي خطة لتقسيم الدولة.
تشير مصادر أمنية رفيعة إلى أن نظام «أبو محمد الجولاني» يرزح تحت الضغط، على خلفية تظاهرة كبيرة في السويداء الأسبوع الماضي، رفع خلالها الآلاف من المتظاهرين الدروز أعلام إسرائيل [كذا]، ودعوا إلى الحكم الذاتي، أو الضم إلى إسرائيل، ووصف بعض المتظاهرين النظام السوري الجديد بأنه «نظام شبيه بداعش»، وأبدوا استعدادهم للتجنيد في صفوف الجيش الإسرائيلي، بينما قالت مصادر في الإدارة الأميركية إن إدارة ترامب تعتزم الدفع في اتجاه اتفاق أمني بين إسرائيل وسورية يشمل فتح «ممر إنساني» بين إسرائيل والسويداء لتقديم مساعدات مباشرة للمدنيين في جنوب سوريا. ومع ذلك، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أنه لن يُقام مثل هذا الممر، وأن المساعدات الإنسانية إلى السويداء ستُنقل فقط بالتنسيق مع مؤسسات الدولة في دمشق.
تؤكد مصادر سياسية رفيعة أن إدارة ترامب تسعى لتهدئة التوتر في جنوب سوريا، بعد المجازر الأخيرة بحق الدروز، ولتعزيز حوار أمني بين إسرائيل وسوريا. أحد عناصر هذا الحوار هو العودة المحتملة إلى اتفاق فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا (1974)، إذ شكّل هذا الاتفاق، على مدى عقود، أساساً لإدارة الحدود بين إسرائيل وسوريا، وبشكل خاص في هضبة الجولان، وأنشأ مناطق منزوعة السلاح على جانبَي الحدود، ونشر قوات «أندوف» لمراقبة الالتزام وتوثيق الانتهاكات ومنع المواجهات العسكرية المباشرة.
وقدّر مصدر سياسي رفيع أن إدارة ترامب قد تعمل على ترتيب خطاب للجولاني في الجمعية العامة المقبلة للأمم المتحدة، وربما حتى «مصافحة غير رسمية في الممرات» بينه وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. ومع ذلك، لم يُصادق أي مصدر رسمي على مثل هذا الترتيب.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، اضطرت إسرائيل إلى مواجهة واقع جديد على حدودها الشمالية، حيث خلق انهيار النظام فراغاً سلطوياً كان من شأنه تسهيل صعود مجموعات متطرفة، مثل داعش، أو ميليشيات مدعومة من إيران، ويشكّل تهديداً أمنياً جديداً لإسرائيل. في إثر ذلك، تحركت إسرائيل بسرعة، فوسّعت المنطقة العازلة في هضبة الجولان، وبدأت بتنفيذ غارات جوية لتدمير ترسانة بشار الأسد العسكرية ومنع وقوعها في أيدي منظمات جهادية إرهابية.
في الوقت نفسه، ترى إسرائيل في سقوط الأسد فرصة لعرقلة النفوذ الإيراني، وتعزيز سيطرتها على الحدود السورية، ومنع تهريب السلاح من إيران إلى حزب الله في لبنان، عبر سوريا.
ومع ذلك، يؤكد مصدر سياسي رفيع إصرار إسرائيل على حماية الطائفة الدرزية في السويداء، خلال المحادثات مع النظام السوري الجديد، وإبعاد جميع القوات المسلحة عن الحدود مع إسرائيل. وحذّر المصدر من أن الجماعات الجهادية في المنطقة تسعى لاستهداف المستوطنات الإسرائيلية في الجولان وارتكاب «مجازر» شبيهة «بالفظائع» التي وقعت في جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، الأمر الذي يفرض تخطيطاً عسكرياً ودبلوماسياً دقيقاً. وتتعامل إسرائيل بحذر مع المفاوضات مع النظام الجديد في دمشق.
وأشار المسؤول إلى أن الجولاني لا يسيطر على سوريا بشكل كامل أمنياً، وأن قواته الأمنية كانت في بعض الأحيان شريكة، ولو بشكل خفي، في مجازر ضد أقليات، بما في ذلك قتل علويين في بلدات ساحلية في سوريا ودروز في السويداء. وبحسب قوله، تسعى إسرائيل لاتفاق تطبيع مع سوريا، لكن مثل هذا الاتفاق لا يزال بعيد المنال، إذ شدد على أن «إسرائيل لن تساوم على مصالحها الأمنية الحيوية، أو على سيادتها في هضبة الجولان، في مقابل أي اتفاق تطبيع مع نظام الجولاني».
وحذّر مصدر أمني رفيع المستوى القيادة السياسية من أن توقيع اتفاق أمني مع نظام الجولاني الجهادي، يتضمن العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لسنة 1974، سيقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، ويحدّ من قدرة إسرائيل على حماية مستوطنات الجولان والدروز في السويداء.
وأضاف: «طالما أن نظاماً جهادياً يسيطر على سوريا، فمن الأفضل لإسرائيل ألّا توقع أيّ اتفاق، وأن تحافظ على الوضع القائم الذي لا تُفرض بموجبه أي قيود دولية على عملياتها الأمنية الحيوية».
المصدر: مركز القدس للشؤون العامة والسياسة
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية