بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

18 شباط 2026 12:05ص من إعلام العدو: استمرار الاحتلال قد يؤدي إلى نزع الشرعية عن إسرائيل

حجم الخط
أوري بار يوسف

كتبت باربرا توخمان كتابها «مسيرة الحماقة»، عن دول تنتهج سياسةً تتعارض مع مصالحها، وكانت حرب فيتنام - ذلك المستنقع الذي غرقت فيه الولايات المتحدة طوال ثمانية أعوام - ماثلة أمام عينيها. وأضافت إلى ذلك أمثلة عديدة: الطرواديون الذين أدخلوا إلى مدينتهم الحصان الشهير، تسببوا بهلاكهم؛ الباباوات الفاسدون في عصر النهضة، الذين أثاروا انفصال البروتستانت، وبأيديهم وضعوا حداً لسلطتهم؛ وإصرار بريطانيا على فرض الضرائب والسيطرة السياسية، أدى إلى فقدان مستعمراتها وإقامة الولايات المتحدة.
لو كانت توخمان لا تزال في قيد الحياة، فمن المرجح أنها كانت ستؤلف كتاباً يتناول الاحتلال الذي سيدمّر المشروع الصهيوني، ليكون مثالاً نهائياً، مقارنةً بمسيرات الحماقة البارزة في التاريخ. وخلاصته: إن المصلحة المشتركة لكلّ مَن يعرّف نفسه بأنه صهيوني، من اليمين الاستيطاني حتى اليسار الطهراني، كانت في استمرار وجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
حققت إسرائيل هذه المصلحة حتى سنة 1967، وفي أقل من عشرين عاماً، ضاعفت سكانها ثلاث مرات، وأنشأت مئات البلدات الجديدة، وازدهرت اقتصادياً، وطوّرت أنظمة تعليم وصحة وزراعة أصبحت نموذجاً لدولٍ كثيرة، وبنَت جيشاً حقق خلال ستة أيام أحد أعظم الانتصارات في التاريخ، وأصبحت تمتلك قدرة ردع أمام أي تهديد وجودي. وباستثناء هوامش هذيانية كانت تتقلص مع الوقت، لم يكن لديها طموحات توسُّع إضافية، وكان حلمها الأكبر تحقيق السلام مع العالم العربي.
ثم جاءت حرب الأيام الستة، وانطلقت مسيرة الحماقة المسيانية. إن احتلال الأراضي منحَ إسرائيل الأصول التي مكّنتها من تحقيق الحلم المنشود، وعبّر النظام الدولي عن ذلك عندما صاغ معادلة «الأرض مقابل السلام». وتدعو مبادرة السلام العربية منذ سنة 2002 وما بعدها إلى إنهاء الصراع، في مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتُلت في سنة 1967 وإقامة دولة فلسطينية. وهذه الصيغة مقبولة لدى أفضل أصدقاء المشروع الصهيوني؛ أمّا أكبر المعارضين، فهُم حكومة إسرائيل ونظام آيات الله في إيران.
منذ نحو ستين عاماً، تحاول إسرائيل إقناع دول العالم بعدالة الاحتلال، لكن حتى حليفتها الاستراتيجية ميكرونيزيا لم تقتنع بذلك، والأمر ليس مجرد معارضة مبدئية؛ إن تدهوُر مكانة إسرائيل وتحوُّلها إلى دولة منبوذة هو نتيجة واضحة للاحتلال المستمر والقمع في الضفة الغربية، وهو اعتراف بأن الفلسطينيين أيضاً لهم الحق في دولة، والحرب في قطاع غزة عززت هذا المسار.
إن استمرار الاحتلال يمكن أن يؤدي إلى نزع الشرعية عن المشروع الصهيوني، على غرار ما حدث لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهو يقوّض أيضاً قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها؛ فمعظم وقت الجيش البرّي لا يخصَّص للتدريبات والاستعداد للحرب، بل لحراسة المستوطنات والمستوطنين؛ والحفاظ على الاحتلال يستنزف قوة الجيش الإسرائيلي، ويُضعف إسرائيل عسكرياً، ولا حاجة إلى التوسع في الحديث عن الثمن والخسائر البشرية.
وإذا استمر الاحتلال، فلن يتحقق حلم الدولة اليهودية أيضاً؛ منذ أعوام،  توجد بين نهر الأردن والبحر أغلبية غير يهودية، وهذا الاتجاه الديموغرافي لن يتغير. أوريت ستروك ورفاقها ما زالوا يؤمنون بفكرة الترانسفير، لكن حتى دونالد ترامب تعافى منها، وأوضح أنه يعارض الضم.
كما أن جذور جنون المنظومات الذي تعيشه إسرائيل منذ ثلاثة أعوام-  والذي بلغ ذروته في حزب الحكم الذي يحوّل نفسه إلى ضحية «للدولة العميقة»، وفي رئيس حكومة يتّهم رئيس جهاز «الشاباك» الذي استقال بالخيانة - كامنة أيضاً في الاحتلال. حتى سنة 1967، كانت الحملات الانتخابية تتركز على قضايا اقتصادية واجتماعية ودينية، ومنذ ذلك الحين، تناولت الحملات الانتخابية كلها، باستثناء الأخيرة التي ركزت على فساد بنيامين نتنياهو، أمراً واحداً: مستقبل الأراضي المحتلة.
ينبع جزء كبير من الجنون الحالي من اعتماد رئيس الحكومة على اليمين المسياني الذي يريد استمرار الاحتلال؛ أمّا الاحتلال نفسه، فلا يُطرَح أصلاً في الحملة الانتخابية المقبلة، لأن إنكار الواقع هو جوهر مسيرة الحماقة. هذا الغباء القومي ربما ينتهي بالخراب، على غرار مصير طروادة.
إن دولة إسرائيل، التي تسير في هذا الاتجاه، تتوق إلى قيادة جديدة من طراز شارل ديغول، الذي خشيَ على مصير فرنسا، فقرّر إنهاء حرب الجزائر؛ ومن طراز دافيد بن غوريون، الذي خاف على مصير الأغلبية اليهودية في الدولة، ولذلك، عارض أي احتلال يتجاوز حدود الخط الأخضر؛ ومن طراز إسحق رابين، الذي أدرك تأثير استمرار الاحتلال في مصير الدولة، ولذلك، سعى لإنهائه.
اليوم، يفحص السياسيون الإسرائيليون كل مشكلة وتحدٍّ عبر منظور الاستطلاع الآني. بعضهم يدفع ضريبة كلامية لبن غوريون، الذي قال إنه لا يعرف ما يريده الشعب، بل ما يحتاج إليه الشعب، وآخرون ديماغوجيون، أو عاجزون عن تقديم حلّ للمشكلة الأساسية لإسرائيل - الاحتلال؛ إن اليمين المسياني يقود مسيرة الحماقة الإسرائيلية، لكن النتيجة ستحُسم في نهاية المطاف، بحسب قدرة معسكر المعارضة على كبحه، وبحسب الوضع الحالي، فإن الواقع لا يبشّر بالخير.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية