تومر فيدلون
ستيفن كلر
إن الحرب المتواصلة على عدد من الجبهات في العامين الماضيَين لها تداعيات اقتصادية مهمة. لقد تجلى ذلك من خلال تراجُع النمو الاقتصادي ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض دخل المواطنين والزيادة الحادة في نسبة الدَين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي ارتفعت من 61% إلى 70%. في المقابل، يُظهر الاقتصاد الإسرائيلي صموداً ملحوظاً في مواجهة حدثٍ مثل حرب «السيوف الحديدية». هذا الصمود يثير التفاؤل لدى شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي المقتنع بأن اقتصاده صامد، وبالتالي لا يوجد أي سبب اقتصادي لوقف القتال. تركّز هذه الحجج على مؤشرات معينة تدل على صمود الاقتصاد الإسرائيلي، في رأيهم. ومع ذلك، سنعرض إلى جانب هذه الحجج الرئيسية حججاً مضادة تشير إلى العواقب الاقتصادية الوخيمة للحرب.
الحجة الأولى: الناتج المحلي الإجمالي والنمو
استمر الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي في النمو، على الرغم من الحرب، ومن حالة عدم اليقين العالمية، وهو ما يشير إلى صمود الاقتصاد الإسرائيلي، إذ يستمر هذا الاقتصاد في النمو خلال الحرب ولا ينكمش، بعكس ما حدث خلال أزمة الكورونا (2020)، وفي أثناء الانتفاضة الثانية [سنة 2000]. وفي الواقع، لم ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي خلال الحرب، لكن النمو ضعف بشكل كبير. ونتيجةً لذلك، أصبح الناتج المحلي أقل بنحو4% من خط الاتجاه الذي كان سائداً في إسرائيل في الفترة 2012 - 2019 (قبل الكورونا)، وكل نسبة مئوية واحدة من الناتج المحلي تعادل20 مليار شيكل، وهذا يعني أن الناتج المحلي في سنة 2025 أقل بـ80 مليار شيكل من المسار المتوقّع.
علاوةً على ذلك، لدى النظر إلى الناتج المحلي للفرد، والذي يعكس جودة الحياة، نجد صورة قاتمة: استناداً إلى مكتب الإحصاء المركزي، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل بنسبة 1.2% في سنة 2023، وانخفض مجدداً بنسبة 0.4% في سنة 2024 ، أي إن الناتج للفرد عاد إلى مستواه في سنة 2022 ، وهو ما يدل على تراجُع جودة الحياة.
الحجة الثانية: نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي
بعد سنتين من الحرب الضارية على ست جبهات، ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي في إسرائيل إلى أكثر من 70%، على الرغم من أن إسرائيل تموّل الحرب بالاقتراض المكثف. وفي الواقع، فإن نسبة الدين الحالية في إسرائيل منخفضة، مقارنةً بدول منظمة التعاون والتنمية (OECD) التي تتجاوز 100%.
إن نسبة الدَّين الإسرائيلي إلى الناتج المحلي هي نتيجة السنوات التي سبقت الحرب. من الناحية العملية، فإن عملية جمع الديون الضخمة، وبشكل خاص في سنة 2024، والتي تجاوزت مجموع الديون خلال جائحة كورونا، هي في الواقع عبء كبير سيتم ترحيله إلى المستقبل، كما أن مجموع الديون في هذين العامَين كان بمعدل فائدة أعلى، وهو ما يجسّد مخاطر على إقراض دولة تعيش في حالة حرب، وعانت جرّاء تخفيض التصنيف الائتماني، لذلك، من الصعب مقارنتها بالدول التي تراكمت عليها ديون أضخم من ديون إسرائيل، مع مدفوعات فائدة أقل.
لتوضيح ذلك، يمكننا فحص إصدار سندات الدولار لمدة 10 أعوام في بداية كل عام، خلال السنوات الثلاث الماضية: في بداية سنة 2023، أصدرت إسرائيل سندات بسعر فائدة 4.5%؛ في آذار/مارس 2024، جمعت إسرائيل 5 مليارات دولار بسعر فائدة 5.5%؛ بينما جمعت 8 مليارات دولار في سنة 2025 بسعر فائدة 5.626%. ولا تزال إسرائيل تحقق نتائج جيدة في بيع سنداتها، لكن بسعر أعلى من ذي قبل، وبالتالي فإن مدفوعات الفائدة المستقبلية ستزيد.
علاوةً على ذلك، بلغ العجز الحكومي أكثر من 4% في سنة 2023، وارتفع إلى ما يقارب 7% في سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز6% في سنة 2025.
من الواضح أن هذا المسار غير مستدام وعواقبه الاقتصادية المستقبلية وخيمة للغاية. إن استمرار السياسة المالية مع عجزٍ يفوق الـ 5% قد يُزعزع استقرار الاقتصاد، ويدفع إسرائيل إلى عقد ضائع. وسيؤدي تفاقُم العجز والإضرار بالنمو الاقتصادي إلى ارتفاع مطّرد في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي. ونتيجةً لذلك، ستواجه الدولة صعوبة في بيع السندات في سوق الأموال، وقد تصل إلى أزمة مالية، وتصبح عاجزة عن جمع الموارد اللازمة للوفاء بالتزاماتها.
الحجة الثالثة: قوة الشيكل
عند اندلاع الحرب، تراجع الشيكل بشكل حاد، وهو ما استدعى تدخُّل بنك إسرائيل. لكنه تعافى لاحقاً من دون تدخُّل إضافي، وارتفع بنسبة 15% في مقابل الدولار، و10% أمام سلة عملات أُخرى.
إن تعافي الشيكل هو ظاهرة مشجعة فعلاً، ولا سيما مقارنةً بتراجُع قيمته في بداية الحرب، ويعود ذلك إلى الصادرات الأمنية، وصادرات التكنولوجيا المتقدمة، وصادرات الغاز التي تضخ الدولارات إلى إسرائيل وتحوَّل إلى الشيكل. ومع ذلك، هذا مرتبط أيضاً بظواهر أُخرى، مثل حالة عدم اليقين العالمي، في ضوء التعرفات الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب، والتي أدّت إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار، في مقابل العملات الأجنبية، بما فيها الشيكل، وأيضاً سياسات أسعار الفائدة في البنوك المركزية في العالم. كما تُعد سياسة التحوط من طرف المستثمرين المؤسسين أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر في سعر صرف الشيكل. إذ يتحوط هؤلاء المستثمرون من مخاطر استثماراتهم في الخارج، وهو ما يخلق طلباً على الشيكل ويعزّزه.
الحجة الرابعة: ارتفاعات في البورصة
ارتفع مؤشر «تل أبيب 125» بنسبة 60% منذ بدء الحرب. للوهلة الأولى، يبدو انتعاش سوق الأسهم مشجعاً، وهناك عدد لا بأس به من الشركات المدرجة في المؤشرات الرئيسية التي استفادت من الحرب؛ ارتفعت أسهم شركة الطيران «إلعال» إلى أكثر من 400%، نتيجة إلغاء رحلات الشركات الأجنبية إلى إسرائيل؛ واكتسبت شركة الصناعات العسكرية، مثل «إلبيت» ثقة الجمهور بسبب نتائجها الممتازة التي تعكس طلباً على المنتوجات الأمنية؛ بينما تستفيد البنوك من أسعار الفائدة المرتفعة.
لكن البورصة تعكس قيمة الشركات الكبرى، وخصوصاً في القطاعات التكنولوجية والمالية والصناعية، ولا تعكس بالضرورة حالة الاقتصاد. يعمل جزء كبير من هذه الشركات في الأسواق العالمية، وبالتالي هي أقلّ تأثراً بحال الاقتصاد. كما تستفيد الشركات من سياسة التعويضات الحكومية (المدفوعات الضخمة لجنود الاحتياط)، الأمر الذي يزيد في النشاط الاقتصادي ويحقق أرقاماً قياسية. ومن المهم الإشارة إلى أن السياسة المالية للحكومة خلال العامين الماضيَين غير مستدامة.
وفي المقابل، شهدت الأعوام الأخيرة زيادة حادة في عدد الشركات التي أغلقت أبوابها: في سنة 2023، أُغلقت 57 ألف شركة، وافتُتحت 38 ألف شركة فقط، وفي سنة 2024، أُغلقت 59 ألف شركة، وافتُتحت 37 ألف شركة. خلال العامين الأخيريَن، انخفض عدد الشركات في إسرائيل إلى 40 ألف شركة، بدلاً من أن يزيد 8000 شركة، حسبما كان متوقعاً، وفقاً للاتجاه السائد.
الحجة الخامسة: سوق العمل
على الرغم من الأضرار في قطاعات، مثل السياحة والمناطق الحدودية (غزة ولبنان)، فإن البطالة لم ترتفع بشكل عام، وبقي نحو 3% من القوى العاملة، لكن هذا يعود إلى التجنيد الواسع النطاق للاحتياطيين، والذي قلّل من أعداد الباحثين عن عمل، وعلى الرغم من ذلك، فإنه تجدر الإشارة إلى ارتفاع طفيف في نسبة البطالة منذ شباط/فبراير 2025، مع انخفاض عدد الجنود في الاحتياط.
الحجة السادسة: جباية الضرائب
على الرغم من المخاوف من تباطؤ الاقتصاد الذي سينعكس أيضاً على انخفاض عائدات ضرائب الدولة، فإن تحصيل الضرائب في سنة 2025 كان أفضل من العام الماضي. وبلغ مجمل التحصيلات في النصف الأول من العام 259.6 مليار شيكل، بزيادة قدرها 12% تقريباً، مقارنةً بالنصف الأول من سنة 2024.
لكن هذه الزيادة لا تعكس نمواً اقتصادياً، بل تعود إلى رفع ضريبة القيمة المضافة من 17% إلى 18%، وفرض ضريبة على الأرباح المحتجزة فيما يسمى «شركات المحفظة» (تشكل حافزاً لأصحابها على توزيع الأرباح وإغلاق الشركات). قدّم التغيير الثاني حافزاً كبيراً لأصحاب هذه الشركات على توزيع ما لا يقلّ عن 6% من الأرباح المتراكمة في الأعوام السابقة (وخصوصاً منذ سنة 2017). وبسبب تخوّف عدد كبير من أصحاب شركات المحفظة من قيام الحكومة بفرض ضريبة على أرباحهم المحتجزة في المستقبل، لم يكتفوا بتوزيع 6% فقط، بل وزّعوا كل الأرباح، وأغلقوا تلك الشركات. في الواقع، هذه هي الزيادة غير المتوقعة في إيرادات الضرائب، ومن المهم الإشارة إلى أنها ناتجة من نشاط اقتصادي جرى قبل اندلاع الحرب.
الحجة 7: إزدهار الصناعات الأمنية
في ضوء «تجربة الأدوات» الواسعة لإسرائيل خلال الحرب، وكذلك زيادة ميزانيات الدفاع عالمياً، فإن الصناعات الأمنية تستفيد من تراكُم طلبات غير مسبوق. في سنة 2024، بلغ حجم الصادرات الأمنية مستوى قياسياً وصل إلى 14.9 مليار دولار، وهذا يمثل ارتفاعاً بنحو 13%، مقارنةً بالعام السابق.
استفادت الصناعات الأمنية من زيادة الطلبيات حتى قبل الحرب. فغزو روسيا لأوكرانيا وزيادة ميزانيات الدفاع عالمياً منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، رفعا الصادرات الأمنية الإسرائيلية، من 7.6 مليار دولار في سنة 2018 إلى 13.1 مليار في سنة 2023. كذلك بلغ إجمالي الصادرات الإسرائيلية من السلع والخدمات في سنة 2024 أكثر من 140 مليار دولار، وكان نصفها تقريباً صادرات في مجال التكنولوجيا العالية (الهاي تك) وخدمات مرتبطة بها. لذلك، تبقى مساهمة الصادرات الأمنية جزءاً صغيراً نسبياً من مجمل الصادرات الإسرائيلية. وعلى الرغم من أهميتها الكبيرة، فإن الصناعات الأمنية ليست مُشغّلاً كبيراً في سوق العمل الإسرائيلية. ووفقاً لشركة المعلومات الاقتصادية BDI، يعمل في الصناعات الأمنية نحو 43 ألف إسرائيلي فقط من أصل قوة عاملة قوامها 4.5 ملايين شخص، أي ما يقارب 1% فقط.
الدلالات
في نهاية المطاف، وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي يُظهر صموداً ملحوظاً، مقارنةً بحجم حدث، مثل حرب «السيوف الحديدية»، فإن للحرب تكاليف اقتصادية تراكمية مثيرة للقلق. ففي العامين الأخيرَين، سُجل انخفاض واضح في النمو الاقتصادي، وفي الناتج المحلي للفرد، فتقلّص الدخل المتاح للأُسر، وسُجّل ارتفاع حاد في نسبة الدَّين إلى الناتج. إن استمرار الحرب في قطاع غزة واحتلال مدينة غزة سيضيفان أعباءً مالية ضخمة إلى ميزانية الدولة، قد تهدد استقرار الاقتصاد وتقود إسرائيل إلى «عقد ضائع» آخر.
إلى جانب التكاليف المباشرة، من المرجح أن يؤدي استمرار الحرب إلى تكاليف غير مباشرة، بينها فرض عقوبات ومقاطعات على إسرائيل. فهناك اليوم دعوات إلى مقاطعة المنتوجات الإسرائيلية في الخارج، وإلى فرض عقوبات على شركات إسرائيلية. وبما أن الاقتصاد الإسرائيلي اقتصاد مفتوح يعتمد على التجارة الدولية، فإن المقاطعات والعقوبات الاقتصادية (حتى لو لم تكن من دول، بل من شركات خاصة فقط) قد تُلحق ضرراً بالغاً بالقطاع التجاري، وخصوصاً بقطاع التكنولوجيا العالية. ونتيجةً لذلك، قد يختار بعض العاملين في هذا القطاع الهجرة إلى دول أُخرى. يوجد اليوم نحو 300 ألف عامل في قطاع التكنولوجيا العالية، وأي حجم كبير من هجرتهم سيكون «كارثة للأجيال القادمة.»
إن هذا المسار بدأ فعلاً. فخلال الفترة 2013 – 2022، بلغ متوسط عدد المغادرين من إسرائيل نحو 35 ألف شخص سنوياً، بينما بلغ متوسط العائدين نحو 20 ألفاً سنوياً، أي إن ميزان الهجرة السلبي بلغ نحو 15 ألف شخص سنوياً. هذا الميزان السلبي تضاعفَ في سنة 2023، ليصل إلى نحو 30 ألف شخص. أمّا في سنة 2024، فقد تفاقم الوضع: غادر 83 ألف إسرائيلي، في مقابل عودة 24 ألفاً فقط – أي ميزان هجرة سلبي يقارب الـ 60 ألف نسمة. ومن بين المغادرين، شكّل الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 49 عاماً نحو 81%، وغالباً ما كانوا عائلات شابة تمثل شريحة منتجة تعزز قوة إسرائيل، اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية