أودي ديكل
قامت دولة إسرائيل استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 181، في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، والذي اعترف بقيام دولتين بين نهر الأردن والبحر المتوسط، إحداهما يهودية والأُخرى عربية. وفي نظر القانون الدولي وموقف دول العالم، في أغلبيتها، يوازي حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير حق الشعب اليهودي الذي قامت دولة إسرائيل على أساسه. ومنذ ذلك الحين، جرت أحداث كثيرة، إلّا إن الوضع الراهن يتمثل في عدم قيام دولة فلسطينية، وعدم الاتفاق على حدود دولة إسرائيل، رسمياً وبشكل نهائي.
في هذه الأيام، تقود الأوضاع في قطاع غزة والحرب المستمرة التي ترفض إسرائيل إنهاءها موجة الاعتراف بدولة فلسطينية ضمن حدود سنة 1967، وعاصمتها القدس الشرقية؛ إن الصور الواردة من القطاع، التي تُظهر حشوداً تقتحم نقاط توزيع المساعدات الإنسانية، وهي تحمل أواني طعام فارغة، وأطفالاً يتضورون جوعاً، ودماراً شاملاً، ترسم ملامح صورة إسرائيل، حسبما تُرى في أنحاء العالم، وتدفع بها نحو انهيار سياسي، وتساعد حركة «حماس» على محو «فظائع» السابع من أكتوبر من الذاكرة. إن الفجوة بين شعور إسرائيل الذاتي بأن الحق إلى جانبها، وبأن جيشها هو «الأكثر أخلاقيةً» في العالم، وبين الصور الواردة من غزة والانتقادات الدولية الحادة الموجهة إليها، لم تكن أعمق مما هي عليه اليوم.
في ظل ما يبدو كأنه طريق مسدود، بعد نحو عامين من الحرب، وما خلّفته من معاناة إنسانية ودمار واسع، يتبلور في أوساط المجتمع الدولي موقف يدعو إلى سحب حق النقض من كلٍّ من إسرائيل و»حماس» فيما يتعلق بالدفع بتسوية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني المستمر في النزيف، وتشهد على ذلك المبادرة التي طرحتها فرنسا والمملكة العربية السعودية بشكل مشترك في مؤتمر الأمم المتحدة، في 28 و30 تموز/يوليو 2025، والهادفة إلى الدفع بحلّ الدولتين إلى الأمام. وقد حظيَ البيان الختامي بدعم واسع، واشتمل أيضاً على عناصر إيجابية لإسرائيل، من قبيل حرمان «حماس» من السيطرة على قطاع غزة، ومن السلاح، وإحباط نيتها بشأن تدمير إسرائيل؛ لكن في الوقت نفسه، يأخذ المجتمع الدولي تصريحات وزراء في الحكومة الإسرائيلية على محمل الجد، والتي يرى أنه يجب إحباطها في مهدها، مثل ضم أراضٍ في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشجيع «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من هذه المناطق، بما يعنيه ذلك من إدارة للصراع إلى الأبد. وفي نظر المجتمع الدولي، لا يوجد سوى مسار واحد مطروح، وهو العودة إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق على شروط صيغة حلّ الدولتين.
تقدّم المبادرة الفرنسية - السعودية مساراً تدريجياً لإنهاء الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني والحرب المستمرة في قطاع غزة، يتمحور حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومنزوعة السلاح، تقوم إلى جانب إسرائيل في تعايُش وسلام. وتشمل المبادرة إدانةً لهجمات السابع من أكتوبر (لأول مرة من دول الجامعة العربية)، وفي السياق نفسه، تؤكد أنه فيما يتعلق بإنهاء الحرب في غزة، يتعيّن على «حماس» التخلي عن حكمها، وعن سلاحها، ونقل السلطة إلى السلطة الفلسطينية، بمشاركة ودعم دوليَّين. وفي الوقت نفسه، يتضمن البيان إدانة اللهجمات الإسرائيلية على المدنيين والبنى التحتية المدنية في غزة، وكذلك للحصار المستمر المفروض على القطاع، ولجوئها إلى أساليب التجويع التي تسببت بكارثة إنسانية خطِرة.
المطالب الدولية من إسرائيل، الواردة في المبادرة الفرنسية - السعودية، وتشمل: وقفاً تاماً لإطلاق النار في قطاع غزة، بما في ذلك وقف جميع العمليات القتالية، وانسحاب قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع، ورفع الحصار عن المنطقة، وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، في مقابل الإفراج عن الأسرى المحتجزين لدى حركة «حماس»، والالتزام بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، ومتواصلة جغرافياً، ومستقلة وقابلة للحياة، ووقف جميع نشاطات الاستيطان الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، والتعهد بعدم البناء في المستوطنات مستقبلاً، والامتناع من اتخاذ إجراءات أحادية الجانب (الضم)، والتي من شأنها تقويض إمكان الدفع بحلّ الدولتين وتنفيذه، وضمان الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس، بما في ذلك الحفاظ على الوضع القائم فيها، واحترام القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، والتعاون الكامل مع هيئات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بما يشمل دعم آليات الرقابة والتنفيذ الدولية، والمساهمة في الجهود الإنسانية وإعادة الإعمار الاقتصادي في قطاع غزة والضفة الغربية.
أمّا المطالب الرئيسية من الفلسطينيين فتشمل: الاعتراف بإسرائيل، والالتزام بحلّ الدولتين والسلام، وبسط سيطرة كاملة للسلطة الفلسطينية على جميع الأراضي الفلسطينية، تحت إدارة واحدة (حسبما أكد رئيس السلطة محمود عباس مراراً: «دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد»)، ووقف جميع أعمال العنف والتحريض ضد إسرائيل، ومنع الإرهاب ومظاهر التطرف بكافة أشكالها، وتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية من أجل إقامة دولة مستقرة قادرة على العمل، وإجراء انتخابات ديمقراطية شفافة، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، وإشراك جميع مكونات المجتمع الفلسطيني في العملية السياسية والاقتصادية.
وتتضمن المبادرة الفرنسية – السعودية أيضاً عناصر إيجابية بالنسبة إلى إسرائيل، مثل استبعاد أي احتمال لاستمرار سيطرة «حماس» على قطاع غزة. ولذلك، تشير إلى ضرورة إنشاء ونشر قوة دولية/عربية مشتركة لاستقرار الوضع الأمني في القطاع، وقيادة خطة إعادة إعمار شاملة لقطاع غزة بدعم دولي، وتقديم مساعدات إنسانية فورية للسكان الفلسطينيين في غزة. وستكون القوة الدولية/العربية مسؤولة عن نزع سلاح القطاع من خلال عملية منهجية ومتدرجة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عن طريق:
ـــ نشر قوة عربية ودولية لاستقرار الوضع الميداني.
ــ جمع الأسلحة بشكل منظّم وخاضع للرقابة من الميليشيات والأفراد.
ـــ حل الميليشيات ودمج عناصرها في مؤسسات مدنية شرعية.
ــ إعادة بناء وتطوير قوات أمن فلسطينية فاعلة غير تابعة لـ«حماس»، تركز على فرض النظام العام.
ــ تداعيات الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية رهن بالردّ الإسرائيلي.
من الناحية النظرية، وبناءً على عملية مدروسة لاتخاذ القرار، يمكن لإسرائيل أن تعلن هي أيضاً اعترافها بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، لكن لتنفيذ ذلك يجب استيفاء سلسلة طويلة من الشروط والمتطلبات من الجانب الفلسطيني. وردَ بعض هذه الشروط في المبادرة الفرنسية – السعودية، وفي مواقف الدول العربية والمجتمع الدولي، مثل أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة القدرات العسكرية وألّا تشكل تهديداً لإسرائيل.
أمّا إذا اختارت الحكومة الإسرائيلية اتخاذ خطوات عقابية، مثل ضم أراضٍ في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو تشجيع هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية والقطاع، فقد تجد نفسها أمام عقوبات دولية وإضرار بعلاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دول عربية، وكذلك مع دول غربية، وستتوقف عملية التطبيع الإقليمي التي تشمل إسرائيل، بما في ذلك تعميق وتوسيع «اتفاقات أبراهام»، إلى أن تغيّر إسرائيل سياستها، وتُبدي استعداداً للبحث في تسوية سياسية وفق صيغة حلّ «دولتين لشعبين».
علاوةً على ذلك، إن معارضة إسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية قد تُعرقل مبادرات واستعدادات الدول العربية والمجتمع الدولي للمشاركة في استقرار وإعمار قطاع غزة من دون حُكم «حماس»، ولتهيئة الظروف لنقل السيطرة على القطاع إلى سلطة فلسطينية «تم إصلاحها». حينها، ستكون النتيجة أن عبء السيطرة على قطاع غزة المدمّر، بما في ذلك المليونَي نسمة، سيُلقى على عاتق إسرائيل.
قد تحوّل خطوات العقاب الإسرائيلية التهديدات بالمقاطعة والعقوبات من جانب دول أوروبية إلى واقع موجّه مباشرةً ضد إسرائيل «السيادية»، وليس فقط ضد المستوطنات في الضفة الغربية. ومن بين الخيارات المطروحة تعليق اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وإخراج إسرائيل من صندوق «هورايزون»، وفرض حظر على السلاح، والإضرار باتفاقيات التجارة مع إسرائيل.
كما أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين قد يعزز في إسرائيل مشاعر بأن «العالم كله ضدنا»، ويزيد في حدة المواقف المتطرفة تجاه الصراع. ومن النتائج المحتملة لذلك تصاعُد ما يُعرف بالإرهاب اليهودي، إذ ستعتبر جهات يهودية متطرفة الاعتراف بفلسطين تهديداً لرؤيا «أرض إسرائيل الكاملة» ولفريضة استيطان الأرض. وعلى هذا الأساس، ستزداد الدوافع إلى الاعتداء على الفلسطينيين، وطردهم، والسيطرة على أي تلة خالية. فأحداث العنف التي يرتكبها متطرفون من اليهود، فضلاً عن عدم تطبيق القانون الإسرائيلي عليهم، والإجراءات التي تؤدي إلى عزل إسرائيل دولياً، أمور قد ترفع منسوب التوتر الداخلي وتعمّق الانقسام والشرخ في المجتمع الإسرائيلي.
من جانب آخر، يُتوقع أن تواصل إدارة ترامب دعم إسرائيل واستخدام الفيتو ضد قرار الاعتراف بدولة فلسطينية، إذا عُرض على مجلس الأمن. ومع ذلك، سيجد صعوبة في الاستمرار في الوقوف إلى جانب إسرائيل لفترة طويلة أمام أغلبية دول العالم، وخصوصاً إذا ردّت الحكومة الإسرائيلية بخطوات متطرفة تشمل دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار الاقتصادي والضم.
وتبقى مسألة السلطة الفلسطينية ذات وزن كبير: فالحكومة الإسرائيلية تمنع تعزيز السلطة وإعادتها إلى السيطرة على قطاع غزة، لأنها تُعتبر منصة لتأسيس دولة فلسطينية، غير أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية سيعزز مكانة السلطة الدبلوماسية، وسيمكّنها من الوصول إلى اللجان والهيئات القضائية الدولية. وكلما تحدّت السلطة إسرائيل في المحافل الدولية، كلما ازدادت رغبة الحكومة الإسرائيلية في الدفع نحو انهيارها الاقتصادي والوظيفي، مثلما يحدث حالياً من خلال منع تحويل أموال المقاصة وفرض قيود على عمل البنوك. إن انهيار السلطة يعني إلقاء عبء إدارة الشؤون الحياتية لسكان المناطق على عاتق إسرائيل.
من غير المؤكد أن حركة «حماس» كانت تهدف، من خلال هجومها في السابع من أكتوبر، إلى ترسيخ فكرة حلّ الدولتين، لكنها قد تستغل الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية كإنجاز سياسي وتوظفه لتعزيز السردية القائلة إن المقاومة العنيفة وحدها قادرة على تحقيق مكاسب سياسية وتحرير فلسطين. كما أن غياب التعاون مع الجهود الدولية للدفع بتسوية إسرائيلية– فلسطينية، إلى جانب الخطوات العقابية الأحادية من إسرائيل، سيقوّض الالتزام العربي والدولي بنزع سلاح «حماس» وإنهاء حُكمها في غزة، الأمر الذي سيخدم بقاءها كجيش مسلح، ويعزز موقعها كفاعل سياسي مؤثر على الساحة الفلسطينية.
إن الصور القاسية الواردة من قطاع غزة، ورفض الحكومة الإسرائيلية كلّ مبادرة، أو تحرك سياسي، فضلاً عن إعلان نوايا بشأن ضم أراضٍ في الضفة الغربية وقطاع غزة، وطرد الفلسطينيين من أراضيهم ومنازلهم، عوامل كلها تدفع إلى «تسونامي» الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية، في ظل تنامٍ في الإدراك العالمي أن الصراع المستمر والدموي لا يمكن تسويته إلّا من خلال الدفع بفكرة حلّ الدولتين.
وعلى الرغم من أن التداعيات العملية للاعتراف الدولي تبقى محدودة، فإن ردات الفعل عليه، وأي خطوات، يمكن أن تُفسَّر بأنها دليل على أن إسرائيل لا تنوي السعي لتسوية مع الفلسطينيين، أو تطبيقها، بهدف إنهاء الصراع، ومن شأنها أن تسرّع وتُفاقم «التسونامي» السياسي القادم، بما يحمله من تداعيات أمنية واقتصادية مهدِّدة. وعلى النقيض، إذا اختارت الحكومة الإسرائيلية الاكتفاء بإدانة سياسية لمبادرة دولية أحادية الجانب، من دون القيام بخطوات ردّ استفزازية، فسيكون في إمكانها مواجهة تحديات دبلوماسية وأمنية متصاعدة، مع إدارة دقيقة لعلاقات دولية معقدة.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية