بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

24 شباط 2026 12:05ص من إعلام العدو: الجريمة في المجتمع العربي هي استمرار للحكم العسكري

حجم الخط
كوبي نيف

أفاد موقع «يديعوت أحرونوت» الأسبوع الماضي، وسائر وسائل الإعلام، أنه خلال نقاش جرى في لجنة المال في الكنيست، اندلعت فوضى بعدما طلبت عضو الكنيست إيمان خطيب-ياسين (القائمة العربية الموحدة) التحدث عن العنف في المجتمع العربي، فصرخت في وجه وزير المال بتسلئيل سموتريتش ووجهت إليه اتهامات، فردّ عليها قائلاً: «لم أفهم، هل أصبحنا الآن مذنبين أيضاً لأنكم تقتلون بعضكم؟»
كلا، سأجيب أنا عن سؤاله الذي يبدو بلاغياً، وأردّ كما جرت العادة في أيامنا هذه؛ لا، أنتم لستم المذنبين، ولستم القتلة، لكنكم مسؤولون عن منع وقوع جرائم قتل، في المجتمع العربي وفي أي مكان في دولة إسرائيل، أو على الأقل الحد منها. ففي كل دولة في العالم، بغضّ النظر عن نظام الحكم فيها، باستثناء دولة الصهيونيين، تقع مسؤولية حماية المواطنين من الجريمة على عاتق الحكومة.
ولنفترض، ونطلق العنان للخيال، أنه في ألمانيا استولت منظمة إجرامية على إقليم تسكنه أغلبية من المهاجرين من بولندا أو تركيا، وكانت جميع الأعمال التجارية في المنطقة خاضعة للإتاوات، وكانت تلك المنظمات تقتل مواطنين يومياً وعلى مدى سنوات، وتوجّهت عضو في البوندستاغ من ذلك الإقليم إلى وزير في حكومتها محتجّة على عدم تحرك الدولة والشرطة لوقف الجريمة والقضاء عليها، فهل يمكن أن يردّ عليها الوزير كما ردّ وزيرنا سموتريتش قائلاً: «وهل نحن مذنبون لأنكم تقتلون بعضكم؟»
هل يمكن أن يحدث شيء كهذا في دولة طبيعية؟ هل يمكن أن يردّ وزير، بل ورفيع المستوى، بهذا الشكل في حالة كهذه، وكأنه يقول لعضو البرلمان: «يا سيدتي، جرائم القتل لديكم ليست مشكلة الحكومة، إنها مشكلتكم أنتم، لأن المواطنين ليسوا ألماناً حقيقيين»؟
لا، هذا لا يمكن أن يحدث في أي دولة طبيعية، إنما فقط في دولة استعمارية، ففي جميع الأنظمة الاستعمارية كان هذا ما يحدث تماماً؛ كان النظام والشرطة يحميان فقط المستوطنين من الدرجة الأولى، أمَّا المواطنون من الدرجة الثانية -السكان الأصليون - فإذا اشتكوا من الجرائم والقتل في مناطقهم، فقد كانت الدولة والشرطة تردّ عليهم كما ردّ سموتريتش: هذه ليست مشكلتنا، إنها مشكلتكم، تَدَبَّرُوا أموركم فيما بينكم.
لكن الأمر أخطر من ذلك كثيراً؛ فليس فقط أن حكومة إسرائيل، عبر وزاراتها وشرطتها، لا تفعل شيئاً، وتتنصل من أي مسؤولية عن حماية المواطنين العرب من الجريمة والقتل، بل أيضاً هي تتيح لمنظمات الإجرام التي تقتل المواطنين العرب بأعداد كبيرة أن تعمل وتنمو، وهذا أيضاً ليس أمراً جديداً في الأنظمة الاستعمارية؛ إذ شجعت الأنظمة الاستعمارية في العالم كلها منظمات دينية وإجرامية ومتعاونين محليين ليشكلوا ثقلاً موازناً وتهديداً للمنظمات المحلية العلمانية التي طالبت بحقوق الإنسان والحقوق القومية، وهكذا، ومنذ أعوام طويلة، كان الحال عندنا كذلك.
وهكذا كان الأمر أيضاً مع «حماس»، حين بدأت نشاطها في أواخر سبعينيات القرن الماضي في قطاع غزة كمنظمة إغاثة دينية، شبيهة بحركة «شاس» لدينا؛ إذ شجعت حكومة إسرائيل وجيشها نشاطها، لكي تشكل ثقلاً موازناً لحركة «فتح» العلمانية، التي اعتُبرت آنذاك العدو الفلسطيني الرئيسي، وعندما انقلبت الأمور وتحولت «حماس» إلى منظمة قتالية متطرفة ضد إسرائيل، واصلت حكومة إسرائيل تشجيعها وتمويلها، انطلاقاً من الجمود الفكري الاستعماري القديم، إذ اعتبرت «حماس» «أصلاً استراتيجياً» تحبط عبر عملياتها خطر السلام مع السلطة الفلسطينية.
خلال ما يقارب العشرين عاماً الأولى من قيام دولة إسرائيل، كان المواطنون العرب خاضعين للحكم العسكري، الذي فرض عن طريقه الحكم الإسرائيلي «الديمقراطي» بقيادة بن غوريون واليسار الصهيوني حصاراً وحرماناً وخوفاً وإرهاباً على السكان الأصليين، الذين كانوا يُسمَّون مواطنين.
لكن مع إلغاء الحكم العسكري وانتقاله إلى الأراضي التي احتُلت سنة 1967، بقي فراغ سلطوي يُلقي بظلاله على المجتمع العربي، ودخلت هذا الفراغ، بتشجيع نشيط أو سلبي من حكومات إسرائيل، منظمات الإجرام التي تنفذ للحكومة مهمة بث الرعب بين المواطنين العرب، كي لا يجرؤ «الأوغاد» على المطالبة بحقوقهم.
وعليه، فإن الجريمة في المجتمع العربي هي استمرار، أو إذا شئتم: خصخصة للحكم العسكري.
ليس الأمر أن الحكومة تشجع، بالفعل أو بالإهمال، الجريمة في المجتمع العربي فحسب، بل أيضاً لا تمنع تسرب الأموال العامة إلى جيوب تلك المنظمات. كيف ذلك؟ لقد سيطرت منظمات الإجرام، تحت حماية الدولة، على الشركات التي تقدم خدمات إلى السلطات المحلية العربية، بل وإلى عدد من السلطات اليهودية أيضاً، كشركات جمع النفايات على سبيل المثال، وهكذا، لا تستطيع أي بلدية أو مجلس محلي عربي إزالة النفايات إلاَّ عبر شركة تسيطر عليها منظمة إجرامية تفرض رسوماً مضاعفة عدة مرات عن المعتاد، وأي شكوى تُقدَّم من رئيس مجلس محلي إلى وزارة الداخلية، المسؤولة عن الحكم المحلي، أو إلى الشرطة المسؤولة عن تطبيق القانون، يُجابَه بالردّ المخصص للسكان الأصليين: «هذه مشكلتكم، تدبروا أموركم فيما بينكم».
وبذلك، يحقق النظام الاستعماري الإسرائيلي هدفين مهمين: أولاً، يُفقِر خزائن السلطات المحلية العربية، الضعيفة أصلاً، ويدهور مستوى الخدمات التي يمكن لهذه السلطات تقديمها إلى سكانها إلى الحضيض. وثانياً، وهو الأهم، عبر الأموال العامة التي تدفعها السلطات المحلية إلى الموردين من عالم الجريمة، تموّل السلطة المركزية تلك المنظمات، وهذه بدورها تردّ الجميل إلى النظام والشرطة ببث الرعب المتواصل المطلوب في المجتمع العربي.
ولذلك، يُفترض، كلما اقترب موعد الانتخابات وازداد «الخطر»، أن يخرج المواطنون العرب في إسرائيل إلى صناديق الاقتراع لممارسة حقوقهم، وقد ارتفعت موجة القتل في المجتمع العربي كي يجرؤ أقل عدد ممكن منهم على الخروج للتصويت.
وهكذا تُصان، بعون الله اليهودي وبالكلاشنيكوف العربي، «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» كما يليق.


المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية