يوسي كلاين
إذاً، لقد عاد النازيون. لكن مَن أعادهم ليس «اليسار»، بل بنيامين نتنياهو وعميت سيغال [معلّق سياسي في القناة 12]، قال نتنياهو إن مقاتلي «حماس» هم النازيون الجدد، وسيغال شبّه دمار غزة بدمار دريسدن. هل هذا ابتذال للمحرقة؟ أم مقارنة مستفزة؟ المقارنة ممنوعة؟ لكن يُسمح بها إذا كان «النازي» هو الطرف الآخر. ...
هناك جرائم حرب نازية، وهناك جرائم فحسب. الإجرام النازي فريد في نوعه. أمّا جرائم الحرب، فهي ليست كذلك. لم تُرتكب جرائم كجرائم النازيين، لكن ارتُكبت جرائم أُخرى. تم نقل أطفال ونساء من مكان إلى آخر حتى في الحرب. العقاب الجماعي والتهجير القسري لم يختفيا. ونحن نفعل ذلك، على الرغم من أن إسرائيل وقّعت اتفاقية تحظر هذه الأفعال. هل ارتكبنا جرائم حرب في غزة؟
الجواب هو الصمت
لا تأكيد ولا نفي
الصمت هو أن تنفّذ، لكن من دون أن تتكلم. إنهم يخفون عنا الحقيقة. لا أرقام، ولا معطيات. يعترفون بوجود الجوع، لكنهم ينكرون التجويع. يقرّون بموت الرضّع، لكنهم لا يعرفون عددهم، ولا السبب. العالم كله يعلم، إلّا نحن. لا نخفي إلّا ما نخجل به. وإذا علمنا بوجود جرائم حرب، ماذا سنفعل؟ لا شيء. مَن يعترف بجرائم حرب، سيحمّل الذنب لأولادنا الأبطال، جنودنا الأبطال…
الإخفاء هو اعتراف بالذنب
لم نقُل أن لا شيء لدينا لنخفيه. لم نقدّم حججاً جديدة. فالأنظمة الظلامية هي التي تخفي دائماً. إن دخان محارق داكاو وصل إلى المدينة المجاورة، وصدى الانفجارات في غزة يُسمَع في أشدود. لا نستطيع القول إننا لم نكن نعلم. العالم أيضاً يعلم. لكن كيف سيردّ؟ هل سيُجبرنا على زيارة الأنقاض؟ هل سيفرض علينا إرسال طلاب المدارس ليتعلموا: «لن يتكرر هذا قط»؟
نحن نخاف من ردة فعل العالم، لا من ردة فعلنا. لا نخاف من غضب الجماهير، ولا نخشى من تظاهرات الأربعمئة ألف. نعتمد على الصمت. صمت إزاء جرائم الحرب في غزة، صمت إزاء ضرب نائب في الكنيست، صمت حيال اعتداءات المستوطنين وتجريد المتظاهرين من ملابسهم على يد الشرطة. عندنا يقال فقط: «الناس يفرّغون غضبهم». لكن الغضب يؤدي إلى العنف. على الطريق، في المدارس، وفي غزة. والعنف يتسلل، من الحكومة إلى الكنيست، ومن الكنيست إلى الجيش، ومنه إلى الشرطة، وإلى الشارع.
العنف يولّد الصمت
إن العنف والصمت هبطا على العالم معاً. لماذا صمتوا في ألمانيا؟ في غزة؟ في الاتحاد السوفياتي؟ لماذا نصمت نحن؟ لأن العنف مرعب. لأن العنف مخيف. ترى نائباً يُضرب؟ اصمت. متظاهر يُضرب في الشارع؟ لا تتدخل. لماذا تتدخل؟ قد يستدعونك إلى التحقيق. قد يجرّدونك من ثيابك. ستمضي ليلة في الحجز.
هل العنف مجد؟ في الاستوديوهات لم يقرروا بعد. لا يعلمون ما إذا كانت جرائم الحرب مدعاةً للفخر، أم للعار، أو ما إذا كان موت الأطفال يحقق المشاهدات، أم لا، وإذا كانت الصور القاسية معلومات، أم خيانة، أو ما إذا كان يجب تمجيد الترانسفير، أم استنكاره. تُمنع المقارنة، ويُسمح بالفعل.
بات الترانسفير مسموحاً به، وحصل على الشرعية. لقد تم «تهويده» في موازاة العملية التي تحوّل فيها بنيامين نتنياهو إلى مئير كاهانا. كتب أحد النواب في الكنيست «لا يجب أن يكون الترانسفير كلمة قذرة، أحياناً، لا يتحقق السلام الحقيقي إلّا عندما يغادر أحد الطرفين.» لكنه مسح التغريدة بعد ذلك.
أمّا عاموس عوز [روائي إسرائيلي (1939-2018)]، فكانت لديه وجهة نظر مختلفة، إذ قال: «هذه الفكرة مستحيلة لأننا لن نسمح لكم... حتى لو اضطررنا إلى تقسيم الدولة والجيش. حتى لو اضطررنا إلى النوم تحت إطارات الشاحنات.»
إسرائيل التي حلم بها عوز ليست إسرائيل نتنياهو. لا أحد سيلقي بنفسه تحت إطارات الشاحنات. لا أحد سيحتج على موت الرضّع، على الرغم من أنه لا يمكن أن نتصور أن جندي احتياط، لديه أطفال، قد يكون غير مبالٍ بموت الأطفال. الأطفال الموتى هم أطفال موتى. في بئيري، وفي غزة، وفي فيتنام أيضاً. الشاعرة دينيس ليفرتوف [شاعرة بريطانية - أميركية (1923-1997)] كتبت عنهم:
«... المرة تلو الأُخرى؛ رضيع بعد رضيع، نسيَ اسمه، جنسه مجهول وسط الرماد، يصعدون في لهب، يشتعلون، لكنهم لا يختفون، لا يذوبون كالرؤى، بل يبقون، كرماد فوق العالم، أو أحياء، في أنين، أو متعفنين في المستشفيات، ثلاثة في سرير واحد؛ ولهذا، فإن بصيرتي القوية، بصيرتي الواضحة والحنونة، بصيرة الشاعرة التي مُنحت لي، تحولت إلى غشاوة. هناك طبقة من الماء الأبيض على عيني الداخلية»...
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية