كرنيت فلوغ
يعقوب فرانكل
حالياً، تواجه إسرائيل تحديات وجودية بأبعاد لم نعرفها من ذي قبل؛ فلا يكاد يوجد مجال من مجالات الحياة غير مهدَّد، في وقت تزداد عزلة إسرائيل الدولية، ويزداد عمقاً الشرخ الداخلي الذي يمزق المجتمع الإسرائيلي من الداخل. على هذه الخلفية، فإن احتلال قطاع غزة مع 2.2 مليون نسمة ليس مجرد خطوة إضافية في معركة طويلة ودامية، بل قد يشكل منعطفاً، له عواقب وخيمة على مواطني إسرائيل، وعلى التضامن والتماسك الاجتماعي، وعلى الشعب اليهودي في الشتات. هذا كله، فضلاً عن الثمن الباهظ المتمثل في المخاطرة بحياة الجنود والمخطوفين.
إن التقييم الكامل والتقدير الاقتصادي المبني على أسس راسخة لتبِعات احتلال قطاع غزة يتطلبان تحليلاً شاملاً للعلاقات المتبادلة بين مختلف المجالات، ويعتمد كل تقييم على افتراضات كثيرة بشأن إجراءات إسرائيل في القطاع. وعلى الرغم من الأهمية المصيرية للتداعيات الاقتصادية، يبدو كأن النقاش بين صانعي القرار يتجاهل الثمن الاقتصادي، ولم يُطلب من الجهات المهنية إعداد عمل منظّم في هذا المجال. سنركز في هذه المقالة على الجانب الاقتصادي، وهو مجال خبرتنا المهنية، من أجل تشجيع النقاش والشفافية مع الجمهور الذي سيتحمل العبء الاقتصادي الثقيل، من زيادة في الضرائب وتراجُع إضافي في الخدمات التي تقدمها الحكومة.
تنص اتفاقية جنيف (1949) على أن القوة المحتلة تتحمل مسؤولية إعادة النظام وتأمين الحاجات الإنسانية للسكان الواقعين تحت سيطرتها. وهذا يعني أنه إذا سيطرت إسرائيل بشكل مباشر على قطاع غزة بالكامل، فستضطر إلى تحمُّل تكلفة إعادة إعمار القطاع وتكاليف توفير الخدمات الأساسية لسكان غزة، ولو جزئياً.
بحسب تقدير البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي (شباط/ فبراير من هذا العام)، قُدّرت تكلفة إعادة إعمار المباني والبنى التحتية والاقتصاد بنحو53 مليار دولار (أي نحو 180 مليار شيكل)، وهو مبلغ هائل. ومنذ ذلك التقدير، شنّت إسرائيل حملة «مركبات جدعون»، وازداد الدمار في غزة بشكل كبير، وهو ما يعني أن المبلغ الفعلي سيكون أكبر كثيراً. وبالنظر إلى المعارضة الدولية لسياسة السيطرة على غزة، من المرجح أن يقع جزء كبير من تكلفة إعادة الإعمار على عاتق دافعي الضرائب في إسرائيل. وهذا يمثل عبئاً غير مسبوق على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يتحمل أصلاً عبء الحرب في العامين الأخيرين.
وهذه مجرد البداية. فإسرائيل ستضطر أيضاً إلى تحمُّل التكاليف الجارية لتقديم الخدمات المدنية لسكان غزة في جميع المجالات، بما في ذلك توفير الغذاء، والخدمات الصحية، والتعليم، والعمل، والرعاية الاجتماعية، والبنى التحتية، وغيرها. ويبلغ التقدير الأدنى للتكلفة السنوية 10 مليارات شيكل سنوياً تقريباً؛ أمّا البقاء في القطاع فترة طويلة، فسيفرض أيضاً إنشاء إدارتين، مدنية وعسكرية، قدّرت وزارة الدفاع تكلفتهما السنوية بأكثر من20 مليار شيكل.
فضلاً عن هذا كله، يجب إضافة تكلفة تجنيد الاحتياط الواسع وتكلفة الوسائل القتالية المكثفة المرتبطة باحتلال القطاع، وهذا يعني نفقات ضخمة لمرة واحدة، وكذلك نفقات سنوية مرتفعة تضاف إلى ميزانية الأمن، الكبيرة أصلاً.
لكن هذا ليس كل شيء، فالعبء على القطاع التجاري، وبشكل خاص على قطاع التكنولوجيا العالية الدقة، سيكون هائلاً، بسبب التجنيد الواسع للأيدي العاملة الماهرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، وكذلك بسبب التداعيات الدولية: إلغاء اتفاقيات تجارية؛ فرض قيود على الصادرات من إسرائيل، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار؛ فرض قيود على الواردات إليها، وصولاً إلى عقوبات تُبعد المستثمرين الأجانب. هذا كله سيؤدي إلى زيادة المخاطر على إسرائيل، وإلى مزيد من الضرر بتصنيفها الائتماني، وارتفاع أسعار الفائدة.
علاوةً على ذلك، هناك عنصر مهم في الثمن الاقتصادي للحرب وخطة احتلال غزة يتمثل في التكلفة الهائلة للعزلة التي تزداد إزاء إسرائيل. يجب أن نتذكر أن إسرائيل كانت، حتى مطلع سنة 2023، وجهة مفضلة للمستثمرين والسيّاح والعلماء، وللتعاون الدولي بين المؤسسات الأكاديمية والثقافية والرياضية. كنا مثالاً للابتكار والبحث والتطوير والتكنولوجيا، واستعدينا لزيادة وتيرة الهجرة إلى إسرائيل، وكانت وكالات التصنيف ترفع باستمرار تصنيف الاقتصاد الإسرائيلي، لكن الانقلاب القضائي الذي بدأ في مطلع سنة 2023 ومستمر حتى اليوم، إلى جانب الحرب، يهددان بتغيير ذلك.
لقد شهدنا مثالاً لثمن العزلة الاقتصادية الأسبوع الماضي، حين أعلن الصندوق السيادي النرويجي، وهو أكبر صندوق سيادي في العالم، خبر بيع حصصه في جزء كبير من 61 شركة إسرائيلية كان قد استثمر فيها، وأنه يراجع استثماراته في بقية الشركات الإسرائيلية. والآن، هناك خطر من أن تحذو صناديق استثمار أُخرى حذوه.
علاوةً على ذلك، تزداد الدعوات في أوروبا والولايات المتحدة إلى فرض مقاطعة علمية وأكاديمية على إسرائيل، قد تؤدي إلى الإضرار بالتعاون وتمويل الأبحاث الضرورية للتكنولوجيا الإسرائيلية العالية الدقة، وأيّ ضرر في قطاع التكنولوجيا العالية سيضرّ بالاقتصاد كله بشدة، لأنه يمثل قاطرة النمو في الأعوام الأخيرة، ويساهم بأكثر من نصف الصادرات الإسرائيلية، وبربع عائدات الضرائب المباشرة تقريباً.
في الواقع، إن المقاطعة العلمية «الصامتة» قائمة فعلاً. فالباحثون الإسرائيليون يواجهون صعوبة في الحصول على تعاون مع زملائهم في الخارج، وصعوبة أكبر في استقدام أساتذة زائرين، وفي الحصول على صناديق أبحاث، حتى إن التبادلات بين الطلاب تقلصت. ونحن نشهد فعلاً مقاطعات في مجالَي الثقافة والرياضة، أمور كلها تزيد في عزلة إسرائيل وتغذي تصاعُد معاداة السامية. هذه الظواهر تثير قلقاً بالغاً، لكنها للأسف، لا تحظى باهتمام كافٍ من الحكومة.
هذا السيناريو الكارثي، الذي تلقّى فيه اقتصاد إسرائيل ضربات من اتجاهات مختلفة، من المتوقع أن تكون له تداعيات خطِرة على الجمهور. وستكون النتيجة زيادة الدَين العام وفوائد الدَين، وتراجُع النمو الاقتصادي، وارتفاع تكلفة المعيشة وتضرُّر مستواها. كما سيزداد عبء الضرائب ويُثقل كاهل أقلية من الجمهور، تتحمل أصلاً العبء الاقتصادي الأكبر وأعباء خدمة الاحتياط. ولدى كثيرين منهم بدائل عمل جذابة في الخارج، وهناك خطر من هجرة العقول وتراجُع الهجرة إلى إسرائيل من الشتات.
أمّا الاستثمار في الخدمات العامة المدنية، المنخفض أصلاً، مقارنةً بجميع دول منظمة الـOECD، فسينخفض أكثر، وسنشعر جميعاً بذلك: تراجُع في ميزانية التعليم، يظهر في تقليص ساعات التدريس؛ فترات انتظار طويلة للعلاجات والفحوص في المستشفيات؛ غياب الاستثمار في البنى التحتية والطرقات، وغير ذلك.
وبالنظر إلى التكاليف الباهظة، يصعب الفهم كيف لا يجري نقاش استراتيجي معمّق ومهني، يتضمن عملاً اقتصادياً شاملاً وعرض البيانات للجمهور. يجب أن نتذكر أن إسرائيل لم تبدأ بعد بتمويل جزء كبير من تكاليف الحرب، وهذا قبل احتلال قطاع غزة. يجب أن يُتخذ مثل هذا القرار بشفافية كاملة، وتقييم شامل للتكلفة والمنفعة، وموازنة لجميع المخاطر الاقتصادية والسياسية.
إن قيادة مسؤولة يجب أن تضمن أن يكون البعد الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من القرار السياسي - الأمني، وبغيابه، قد تكون النتيجة إضراراً بالغاً بمتانة الاقتصاد في إسرائيل، وبرفاهية مواطنيها. إنها مسألة وجودية بالنسبة إلينا.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية