بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

16 تشرين الأول 2025 12:05ص من إعلام العدو: ترامب الغارق في غرام السلام هو مسيحنا وهو حمارنا أيضاً!

حجم الخط
ناحوم برنياع

في يوم بالغ الأهمية، أودّ أن أبدأ بملاحظة إجرائية: قام رئيس الكنيست أمير أوحانا بخطوة وقحة وفظة وخبيثة، تُظهر للجميع الخبث وروح الانقسام التي تميز الحكومة الحالية، إذ وجّه الدعوة إلى جميع أعضاء الفئة «أ» لحضور الجلسة الخاصة للكنيست [التي ألقى فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطاباً]، باستثناء اثنين فقط: رئيس المحكمة العليا، والمستشارة القانونية للحكومة. لقد تصرّف أوحانا وفقاً لما هو متوقع منه داخل المنظومة التابعة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فبعد قليل، سيخوض الانتخابات التمهيدية، وإذا تصرف كما يفرض عليه منصبه الرسمي، فسيُلقى به إلى مؤخرة القائمة.
لكن كان في إمكان شخصين القيام بما هو مطلوب منهما من دون جهد كبير: الأول، هو رئيس الدولة، والثاني، رئيس المعارضة. لقد كان في وِسع رئيس الدولة إصدار بيان قصير، بالتزامن مع النقاش. وقد صغته عنه بالأسلوب الذي يفضله: «صديقي رئيس الكنيست أمير أوحانا، أخطأ حين امتنع من دعوة رئيس المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة. أنا واثق بأنه يأسف على هذا الخطأ.» لكن هرتسوغ سيفعل ما هو متوقع من رئيس الدولة، على طريقته الخاصة: سينتظر حتى يهدأ الموضوع، ويتأكد من أن ما سيقوله لن يزعج أحداً، ثم سيقول بضع كلمات لتسجيلها في المحضر.
كان المطلوب من زعيم المعارضة يائير لبيد جهداً أقل من ذلك كثيراً. فكل ما كان عليه فعله هو أن يبدأ خطابه بالكلمات التالية: «فخامة الرئيس، الزملاء الأعزاء، اسمحوا لي بأن أضيف إلى جميع الشخصيات التي ذُكرت بحق، رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت، والمستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف - ميارا، اللذين لا أدري لماذا هما غير حاضرَين هنا.» ما أسهل ذلك، وما أبسطه. هناك رؤساء معارضة يصنعون مجدهم بجملة واحدة، وهناك رؤساء معارضة يفضلون، بدلاً من ذلك، تصفيق الأيادي القادمة من مقاعد الائتلاف.
عاد جميع المخطوفين الأحياء العشرين، وهم واقفون على أقدامهم: تلك هي خلاصة هذا اليوم، وخلاصة النشوة، وخلاصة الشعور بالارتياح، وخلاصة الانفعال عند رؤية كل عناق وكل ابتسامة. بالنسبة إلى ملايين الإسرائيليين، وبالنسبة إليّ أيضاً، هذا يساوي العالم بأسره.
إن ترامب رئيس أميركي مختلف في كل جانب، وتعامُله مع الشرق الأوسط والصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في مركزه يختلف عن كل ما تصوره، أو فعله أسلافه. فبدلاً من الانشغال بجذور الصراع، وبالحمولات العاطفية والإثنية والدينية والأيديولوجية، وبالنزاع على الأرض، يبدأ من المال. المال موجود في دول النفط العربية، ثروة هائلة تفوق كل خيال. يقول لحكامها: لماذا تهدرونها على «الإرهاب» ضد إسرائيل؟ أنتم تنفقون المليارات، وإسرائيل تزداد قوةً. حيّدوا الصراع وستربحون فقط. وحتى مع إسرائيل، يتحدث ترامب عن المال، ويقول للإسرائيليين: يمكن أن تربحوا كثيراً من التجارة مع السعودية وقطر والإمارات، وبدلاً من ذلك، تنفقون المليارات على الأمن، أليس هذا مؤسفاً؟
وقع ترامب في غرام السلام، وهذا أمر جيد، لقد أحبّ فكرة حل الصراع الذي لم يستطِع أحد قبله حلّه، وهذا أمر مثير، وجهله وسطحيته وفظاظته هي سلاحه. كان خطابه في الكنيست محرجاً، بطوله، وثرثرته، وتصريحاته الخبيثة عن أسلافه. ترامب هو مسيحنا، وهو حمارنا أيضاً. إنه النقيض التام لباراك أوباما: لدى أوباما، كان ضبط النفس مدهشاً، ولغته غنية ودقيقة، وكل كلمة في مكانها، كأنها في قصيدة. أمّا ترامب، فلا يملك أي ضبط، فلغته فقيرة إلى حد الإحراج، وكلماته الصائبة محاطة ببحر من الكلمات الزائدة. لكن أوباما كان في النهاية رئيساً ضعيفاً، متردداً، عمّق الصراعات في الشرق الأوسط، وأضرّ باستقرار أنظمته. ويبدو كأن نهج ترامب أفضل.
إن ترامب لم يُرجع المخطوفين فحسب، بل أنهى الحرب أيضاً. ونتنياهو، الذي حاول في البداية إنكار هذه الحقيقة الأخيرة، اضطر إلى الاعتراف بها في خطابه أمام الكنيست، وبأن ترامب هو مَن يفرض عليه قول الحقيقة للإسرائيليين.
بنظرة إلى المستقبل، تحمل القمة التي عقدها ترامب في شرم الشيخ في طياتها إمكانات ذات أبعاد تاريخية، لم تتحول إلى واقع بعد. إنها بمثابة إعلان افتتاح لعملية تهدف، ليس فقط إلى إعادة إعمار قطاع غزة، بل إلى بناء تحالف شرق أوسطي جديد بقيادة ترامب، ستنضم إسرائيل إليه، بشرط أن «تُحسن التصرف». لقد كانت أيامها قصيرة في أداء دور «فتوة الحي» المبارك والضروري في مواجهة إيران وحزب الله، وستكون الثروة النفطية العربية والقوة العسكرية الأميركية الأساس الذي يقوم عليه هذا التحالف الجديد.
لقد وُجهت دعوة إلى أبو مازن [رئيس السلطة الفلسطينية] لحضور الحدث. فالحكام العرب بحاجة إليه لإقناع الرأي العام لديهم بأن فلسطين لم تُنسَ ولم تُخَن. وسيبقى الأمر كذلك لاحقاً: الفلسطينيون لن يطبخوا هذه الوجبة، لكنهم سيكونون ضروريين لإضفاء «ختم الحلال» عليها.
عندما علم نتنياهو أن أبو مازن دُعيَ إلى المؤتمر، توسل السفر، لكن عندما أدرك أن هناك صورةً تجمعه بأبو مازن قد تفكّك حكومته، توسل البقاء. وجنّد العيد ذريعةً مفاجئة.
كل المديح الذي انهال على نتنياهو لم يغيّر صورة الواقع لحظةً واحدة، حسبما يراها ترامب: «بيبي بخير، لأنه وافق على الصفقة التي أنا، ترامب، فرضتها عليه.» إن السلوك الأبوي الذي أبداه ترامب أوضح أن نتنياهو لن يتمكن طويلاً من المناورة بين تحالفَين: ذلك الذي يقيمه ترامب، وذاك الذي يقوده سموتريتش وبن غفير. قال لي أحد الأميركيين الملمّين بالشخصيات الفاعلة عن قُرب: «إن اليوم كان أفضل يوم للعلاقات بين ترامب ونتنياهو، أمّا في شرم الشيخ، فستُزرع الألغام في الطريق المقبلة.»

المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية