أودي ديكل
مخطط لإعادة بناء المنظومة الفلسطينية
المخطط المعروض هو عملية متدرجة وليس «خطوة واحدة» أو «حلاً سحرياً»، يستند إلى مبدأ «الأمن أولاً»، من تفكيك قدرات «الإرهاب»، إلى إعادة الإعمار المادي والمؤسساتي والاجتماعي، المشروطة بنزع السلاح وحوكمة فلسطينية مسؤولة تحتكر استخدام القوة، وإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية، ودفع التنظيمات المسلحة بصورة منهجية إلى خارج الساحة، وترسيخ عمليات إزالة التطرف. سيطبَّق المخطط أولاً في قطاع غزة، وفي ضوء نتائج إيجابية للعملية، سيوسَّع لاحقاً ليشمل مناطق السلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية).
المبادئ:
قطاع غزة منزوع السلاح، وخالٍ من «الإرهاب»، على أن تكون إعادة إعمار القطاع مشروطة بالنزع الكامل للسلاح وتفكيك جميع التنظيمات المسلحة.
تدار غزة بواسطة إدارة انتقالية تكنوقراطية، تحت إشراف مجلس السلام الدولي، وبالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، وبموازاة قوة شرطة فلسطينية لقطاع غزة من دون «حماس»، تعمل بتوجيه ودعم ورقابة من قوة استقرار دولية.
تنفذ السلطة الفلسطينية إصلاحات شاملة تمكنها من استعادة السيطرة على قطاع غزة. والمطلوب حوكمة فلسطينية فاعلة ومعتدلة؛ احتكار القوة بيد السلطة الفلسطينية وفق رؤية الرئيس محمود عباس: «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد»، من دون ميليشيات ذات قدرات عسكرية.
نزع السلاح المالي؛ إرساء منظومة مالية رقمية خاضعة للرقابة تمنع تسرب الأموال إلى «حماس» والتنظيمات «الإرهابية».
عرض مجموعة شروط يفتح استيفاؤها «مساراً سياسياً» نحو قيام دولة فلسطينية (Statehood) منزوعة السلاح ذات سيادة محدودة.
بنية الآليات للتحكم بالعملية
في المرحلة الراهنة، تتبلور بنية مؤلفة من عدة آليات هدفها توجيه العملية والتحكم بها:
مجلس السلام (BoP): يعمل بمشاركة قادة من العالم (وربما برئاسة الرئيس ترامب)، ويحدد الإطار السياسي العام، ومراحل التنفيذ، ومعايير الانتقال بين المراحل، كما يدير صناديق إعادة إعمار قطاع غزة، ويشرف، عبر مركز التنسيق المدني–العسكري، على لجنة تكنوقراطية فلسطينية لإدارة القطاع، وعلى قوة الاستقرار الدولية (ISF)، ويرفع تقارير إلى مجلس الأمن الدولي.
إدارة تكنوقراطية فلسطينية لغزة: إدارة مدنية تكنوقراطية غير سياسية للسيطرة المدنية على القطاع خلال فترة انتقالية، ومرتبطة بالسلطة الفلسطينية. تتولى الإدارة توفير الخدمات المدنية، وتنفيذ المكونات المدنية لبرامج «DDDR»، وخطوات التعافي وإعادة الإعمار الأولية، وترسيخ النظام العام، وتشغيل الشرطة الفلسطينية في القطاع.
قوة الاستقرار الدولية (ISF): قوة دولية موقتة بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة مصر، وبطموح إشراك دول عربية قيادية. مهمتها تنفيذ -أو على الأقل التحقق من- نزع سلاح القطاع، ومساعدة الشرطة الفلسطينية في بناء القدرات لتنفيذ مهام نزع السلاح وحفظ النظام العام، وإجراء التفتيش والرقابة الأمنية على المعابر لمنع تهريب السلاح، وضمان بقاء المناطق التي ينسحب منها جيش الدفاع الإسرائيلي خالية من «حماس» و»الإرهاب».
مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC): الآلية الوحيدة العاملة حالياً، وهو تابع للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM). تتمثل مهمته في الإشراف على وقف إطلاق النار، ورصد ما يجري في قطاع غزة، وتنسيق إدخال المساعدات الإنسانية، ومتابعة التقدم نحو أعمال التعافي الأولي.
السلطة الفلسطينية: لكي تكون لاعباً فعالاً في العملية، عليها تنفيذ إصلاحات على صعيد الحكم، بالإضافة إلى إصلاحات أمنية وقانونية واقتصادية، وفق قرار مجلس الأمن رقم 2803 (تشرين الثاني/نوفمبر 2025). والهدف هو سيطرة مدنية وأمنية حصرية للسلطة في قطاع غزة، على أساس مبدأ «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد».
صندوق إعادة إعمار دولي: صندوق ائتماني لإعمار غزة، خاضع للبنك الدولي، مع آليات شفافية ورقابة صارمة. يشرف على الانتقال إلى اقتصاد رقمي، ومحفظات رقمية، وعملة مستقرة (stablecoin)، لمنع تسرب الأموال إلى «حماس» وبقية الجهات «الإرهابية».
محاور العمل المتزامنة المطلوبة لنجاح التنفيذ
المحور الأمني: نزع السلاح، وتفكيك الميليشيات، وتسجيل الأسلحة ومراقبتها، وإنشاء وحدات لتفكيك البنى التحتية لـ «الإرهاب» والأنفاق ومنظومات إنتاج وتجميع وتخزين السلاح، وتشريعات فلسطينية تفرض عقوبات مشددة على حيازة السلاح بلا ترخيص أو المساس بحوكمة اللجنة التكنوقراطية.
المحور الإداري: العمل في المرحلة الأولى عبر إدارة تكنوقراطية، ثم نقل السيطرة إلى سلطة فلسطينية بعد تنفيذ الإصلاحات، وإجراء انتخابات محلية، ثم انتخابات رئاسية وتشريعية للسلطة الفلسطينية.
المحور الاقتصادي/إعادة الإعمار والتنمية: إعادة تأهيل البنى التحتية الحيوية، وتقديم مساعدات أساسية إلى سكان غزة، ونزع سلاح المال، وتطوير القطاع الخاص، وإنشاء منطقة تجارة حرة وخطة تنمية اقتصادية.
محور إزالة التطرف وبناء الصمود المجتمعي: الاستثمار في نظام تعليمي خضع لإصلاحات يركز على قيم الاعتدال والتسامح، والإصلاح الديني/ وقف التحريض الديني، ودعم المتضررين من الصدمات، ودمج النساء والشباب في سوق العمل وفي الخدمة المدنية. ويجمع هذا المحور «أربعة أعمدة»: نزع العسكرة، وإزالة التطرف، والدمقرطة، والتنمية الاقتصادية والشخصية.
المحور السياسي – الإقليمي: إذا تحقق تقدم حقيقي وثابت - أي استقرار أمني وتهدئة، ونزع سلاح، وحوكمة فاعلة للسلطة الفلسطينية - يمكن توسيع التطبيق إلى مناطق السلطة في الضفة الغربية، ثم إطلاق مسار سياسي نحو الدولة الفلسطينية بمشاركة الولايات المتحدة ودول عربية والاتحاد الأوروبي.
مراحل التنفيذ
المرحلة الأولى - الاستقرار الأمني:
وقف إطلاق نار شامل وإعادة آخر جثمان إسرائيلي محتجَز لدى «حماس»، والتزام مبدئي من جميع الأطراف بنزع السلاح الكامل لغزة، وإنشاء مجلس السلام (BoP) كهيئة دولية انتقالية مع تفويض واضح لإعمار غزة، بالترافق مع إصلاحات في السلطة الفلسطينية، وإنشاء قوة الاستقرار الدولية (ISF) والشرطة الفلسطينية والإدارة التكنوقراطية كأساس لإنهاء الحرب (وفق القرار 2803)، وجهد إنساني معزز ومساعدات واسعة لتعافي السكان.
المرحلة الثانية - التركيز على نزع السلاح والتعافي:
أمنياً: تشغيل مكونات «DDDR» التي تركز على نزع السلاح؛ «سلاح في مقابل حوافز»، وبرنامج شراء السلاح (buy-back) بتمويل صندوق دولي بإدارة «BoP»، وبدء عمل الشرطة الفلسطينية بدعم «ISF»، والتركيز على جمع السلاح الثقيل والهجومي، وتدمير الأنفاق وبنى إنتاج وتخزين السلاح.
على صعيد البنى التحتية: إعادة تأهيل المياه والكهرباء والصرف الصحي والمستشفيات والمدارس الموقتة.
اقتصادياً: إنشاء صندوق ائتماني لغزة بإدارة البنك الدولي و»BoP» كقناة وحيدة، ومراقَبة أموال الإعمار، وانتقال متدرج إلى المدفوعات الرقمية (مساعدات، ورواتب، وقسائم) عبر محفظات رقمية خاضعة للرقابة، وتقليص النقد وقطع الارتباط بالبنوك والصرافين الخاضعين لسيطرة «حماس».
اجتماعياً/ إزالة التطرف: ترسيخ علاج الصدمات، وخصوصاً للأطفال وذوي الإعاقة، كجزء من إعادة الإعمار، وإنشاء مدارس بمناهج للتسامح ومناهضة التطرف.
المرحلة الثالثة - تعميق نزع السلاح والانتقال
إلى الحكم الفلسطيني المعتدل
وبداية الإعمار:
أمنياً: الانتقال من جمع السلاح الثقيل إلى السلاح الخفيف، وتفكيك ما تبقّى من الأذرع العسكرية لـ«حماس» والجهاد الإسلامي وفصائل أُخرى، وتنفيذ آلية «التسليم الطوعي + التنفيذ الموجه» من جانب الشرطة الفلسطينية.
من جهة إعادة الإدماج: «السلاح في مقابل المستقبل»؛ تقديم فرص عمل إلى من ينبذون «الإرهاب» ويسلمون السلاح ويتعهدون بعدم العودة إلى العنف، والدمج في المؤسسات العامة والإعمار، والتدريب المهني، ومسارات عفو مشروطة بعدم العودة إلى العنف.
الاقتصاد والإعمار: الانتقال من سياسة البقاء إلى سياسة النمو، وإطلاق برنامج تنمية اقتصادية بإشراف «BoP»، وبدء مشاريع بنى تحتية كبرى (إسكان، ونقل، وطاقة)، وإنشاء منطقة تجارة حرة/منطقة اقتصادية خاصة، وترسيخ نموذج نزع السلاح المالي الكامل، واعتماد مدفوعات رقمية فقط ومراقبة كل دولار.
إزالة التطرف والدمقرطة: منع التحريض في الإعلام ووسائل التواصل، والرقابة على المساجد والخطب، وإشراك الجمهور في العمل السياسي، وإشراك دولة الإمارات في ترسيخ مسارات إزالة التطرف.
سياسياً: تقارير دورية من «BoP» لمجلس الأمن بشأن التقدم في الإصلاحات والإعمار كأساس لإشراك السلطة الفلسطينية في إدارة القطاع، وتحفيزها عبر وعد بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
المرحلة الرابعة - انتقال متدرج إلى سلطة فلسطينية
شروط العتبة: استكمال جزء جوهري من إصلاحات السلطة (سيادة القانون، والشفافية، والأمن الداخلي، وتشريع «سلاح واحد»)، وتفكيك الميليشيات غير التابعة للشرطة، وإصلاح أجهزة الأمن وتقليصها إلى جهاز استخباراتي وشرطة فاعلة.
مؤسسياً: اندماج إدارة «GAC» في السلطة التي تصبح حينها صاحبة السيادة المدنية المباشرة في غزة، واستمرار إشراف «BoP» على نزع السلاح وإدارة الإعمار وتمويله. أمنياً: تقليص وجود «ISF» إلى مهام تحقق ومراقبة مع قدرة التدخل السريع، وانسحاب الجيش الإسرائيلي وفق محطات متفق عليها مع الحفاظ على منطقة أمنية.
اقتصادياً وإعمارياً: الانتقال من الإعمار الأساسي إلى التنمية، وتمكين القطاع الخاص، والاندماج في الأسواق الإقليمية، واستخدام ميناء العريش في سيناء كمسار إمداد مباشر لغزة، وتعديل الترتيبات الاقتصادية مع إسرائيل (تعديل اتفاق باريس) لتعزيز الاستقلال الاقتصادي الفلسطيني.
المسار السياسي: بناء خطة لتطبيق المخطط في الضفة الغربية بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة إسرائيل ودول عربية (الأردن، ومصر، والسعودية، والإمارات).
المرحلة الخامسة - استقرار طويل الأمد:
أمنياً: استكمال نزع السلاح، فلا تبقى هناك تنظيمات مسلحة في غزة، ويبقى السلاح في يد الشرطة فقط، بالإضافة إلى آلية تحقق فاعلة. بنى تحتية وإعمار كامل: استكمال بناء البنى التحتية (إسكان، ونقل، وطاقة، ومياه) والمنشآت العامة، وانتقال غزة من «المساعدات» إلى «تنمية تمنع النزاعات». إزالة التطرف في العمق: ترسيخ مجتمع مدني قوي، وتنمية قيادة معتدلة بديلة، وإصلاح المناهج وتنقية الكتب، والحصول على شرعية دينية ضد التطرف، وتفكيك مخيمات اللاجئين، وحوار مدني إسرائيلي – فلسطيني. المسار السياسي: إطلاق حوار سياسي رسمي برعاية الولايات المتحدة حول «أفق سياسي».
الخلاصة: الطريق إلى الدولة الفلسطينية
تتضمن «خريطة الطريق» مراحل واضحة من الاستقرار الأمني، مروراً بنزع سلاح عميق وإعمار، وصولاً إلى كيان فلسطيني عامل ومنزوع السلاح ذي سيادة محدودة. وهذه الخطة لا تَعِد بنتيجة نهائية مسبقة، بل بمجموعة شروط تفتح الطريق إلى الدولة الفلسطينية.
wتوصية لإسرائيل: يُستحسن عرض المخطط مع إبداء الاستعداد لتطبيقه المشروط باستيفاء متطلباته، وحتى إذا انهارت العملية بسبب قيود بنيوية - وعلى رأسها قدرة محدودة على تحييد «حماس» وبناء حيز فلسطيني منزوع السلاح وحوكمة مستقرة - فإن طرح المخطط بحد ذاته يعزز شرعية إسرائيل الإقليمية والدولية، ويتيح توسيع اتفاقيات أبراهام وتعميقها بدعم إدارة ترامب وتعاون إقليمي متعدد المجالات.
المصدر:معهد دراسات الأمن القومي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية