أريئيل كهانا
«أنتم لا تفهمون ما نمرّ به،» قال الزعيم الأوروبي البارز لرئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ، ونظراً إلى أنه لا يوجد لديه عشرات الرهائن في أنفاق غزة كما لدينا، فإن تعاطُفه مع نفسه كان مبالَغاً فيه بعض الشيء. كان حديث هرتسوغ معه كجزء من معركة لمواجهة محاولة استبعاد إسرائيل عن برامج التكنولوجيا المشتركة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، ضمن إطار برنامج «هورايزن». هذا الزعيم الأوروبي أراد المساعدة، وكذلك فعل قادة ألمانيا، وإيطاليا، والمجر، وتشيكيا، وآخرون تحدّث معهم هرتسوغ ونتنياهو وساعر في الأيام الأخيرة.
لكن الأوروبيين كانوا، وما زالوا واقعين تحت وابل دعائي من طرف «حماس»، وقطر، واليسار المتطرف، والمعادين للسامية، والتقليديين في أوروبا، والأمم المتحدة، وشبكات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام؛ هؤلاء جميعهم، مجتمعين، أو منفردين، تحالفوا لإدانة إسرائيل كمجرمة حرب ترتكب إبادة جماعية في غزة من خلال التجويع. وفي مواجهة حملة الكراهية هذه، رفعنا أيدينا استسلاماً؛ لقد جرت اتصالات في الكواليس في اللحظة الأخيرة، لكن في العلن، كانت المنصة متروكة حصرياً لأعداء إسرائيل. تحوّل هذا التسونامي الإعلامي إلى انجراف سياسي، وتجلّت مظاهره في سلسلة من التصريحات لقادة غربيين يعلنون نيتهم «الاعتراف بدولة فلسطينية». البطة العرجاء، إيمانويل ماكرون، الذي يحطم في مالطا نسب تأييد رؤساء فرنسا، سجل لنفسه نجاحاً على حسابنا.
وهناك مظهر آخر من موجة العداء تمثّل في «العقوبة» المخطط لها ضد إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، ووُلدت هذه الفكرة في مكتب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، التي تُعتبر من المؤيدين لإسرائيل في القارة. كانت الفكرة تقديم فتات من التنازلات للجهات المعادية لإسرائيل في المؤسسة الأوروبية، بهدف إحباط خطوات أكثر قسوة. ولو تم قبول الاقتراح، لكانت الشركات الإسرائيلية ستُمنع، مستقبلاً، من المشاركة في مشاريع تكنولوجية في مجال السايبر. في نهاية المطاف، لم يحدث ذلك. ونتيجةً لهجوم معاكس من القيادة الإسرائيلية، وضعت إيطاليا وألمانيا ثقلهما ضد الاقتراح، فسقط موقتاً. ومع ذلك، كانت المحادثات مع هؤلاء القادة الأوروبيين صعبة، وتناقضت بشكل كبير مع النشوة التي كانت سائدة بينهم قبل أسابيع فقط، على جانبَي خط الهاتف نفسه.
خذوا مثلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي تحدث مرتين، هذا الأسبوع، بلهجة قاسية مع نتنياهو. قبل شهر، عندما كانت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي تدك منشآت إيران النووية، أعلن المستشار أن «إسرائيل تقوم بالعمل القذر، نيابةً عن العالم.» هذا الأسبوع، وبانعطافة بمقدار 180 درجة، قال إنه «قلِق» من سياسة إسرائيل، وأعلن إنشاء جسر جوي إلى غزة.
«نحن نريد العمل مع علمائكم،» قال زعيم أوروبي رفيع في إحدى هذه المكالمات لنظيره الإسرائيلي، وهو، مثل ميرتس وفون دير لاين، يعترف بالالتزام الأخلاقي لأوروبا تجاه إسرائيل، وبالقيمة الكبيرة التي يستمدها الاتحاد من العلاقة بالعلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية، لكن الضغط السياسي على هؤلاء نتيجة «حملة التجويع» يدفعهم إلى الزاوية. يتبين أن السياسيين الذين يبدّلون مواقفهم، بناءً على حسابات داخلية، موجودون في كل مكان. لو تمكنت إسرائيل من ترويج موقفها كما يجب، مثلاً، من خلال تجنيد ملف الرهائن ضد الاعتراف بدولة فلسطينية، وتغذية داعمي إسرائيل بالمعلومات الحقيقية عمّا يحدث في غزة، قبل صدور بيانات القادة، وليس بعدها، لكان الضرر اللاحق بإسرائيل أقل كثيراً، هذا إن وُجد أصلاً.
ولو أننا بدلاً من أن نثني على صحيفة «نيويورك تايمز» بسبب تصحيح غير دقيق بخصوص الرضيع المريض في غزة، أخبرنا العالم كله بأن مصوّري الصحيفة في غزة هم من كوادر «حماس»، لكان من المؤكد أن ترامب لن يتحدث باسم ميلانيا عن «الجوع في غزة»، لكن إسرائيل صامتة، والصمت يبدأ من رئيس الحكومة.
إن نتنياهو يجفف جهاز الدعاية الإسرائيلية لأسباب لا يفهمها، حتى أبرز مؤيديه؛ فعلى سبيل المثال، التقى عناصر دائرة الإعلام الوطني مرة واحدة فقط منذ اندلاع الحرب، وذلك في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2023. ومنذ ذلك الحين، لا يعرف هؤلاء، الذين من المفترض أن يُطلعوا جميع الجهات الإعلامية في البلد على سياسة إسرائيل، ما هي هذه السياسة أساساً، لأن رئيس الحكومة لم يخبرهم .وبالمثل، لم يستشِر نتنياهو قط المستويات المهنية بشأن الخطوات التي يجب، أو لا يجب اتخاذها. إذ من المرجّح جداً أنهم كانوا حذّروه من إجراء مقابلة مع «نيلك بويز»، في اليوتيوب، حيث وصف رئيس الحكومة بـ»هتلر»، بعد نشر البودكاست.
وجميع الذين تحدثوا مع نتنياهو في موضوع الدعاية، قال لهم إنه لا حاجة إليها لأن «الحقائق تتحدث عن نفسها». إنها مقاربة غريبة جداً، إذ إن السياسة نفسها، بطبيعة الحال، هي التي تؤثر، أولاً وقبل كل شيء، وسنعود إلى ذلك لاحقاً. لكن، مَن غير نتنياهو، الذي شرح، مراراً وتكراراً، أن قوته السياسية في الولايات المتحدة تستند إلى مدى شهرته هناك، يدرك أهمية الكلمات.
أمّا فيما يتعلق بالسياسة، فمن المرتقب أن تؤدي زيارة ويتكوف، خلال الساعات القادمة، إلى اتخاذ قرارات بشأن المراحل المقبلة، فإبرام صفقة مع «حماس» ممكن، فقط إذا تمت الاستجابة لشروط الاستسلام التي يفرضها التنظيم، ونتنياهو يرفض ذلك رفضاً قاطعاً. من جهة أُخرى، سيأتي خيار «الحصار»، أو «الضم»، على حساب أضرار سياسية جسيمة، وما حدث هذا الأسبوع مع الأوروبيين ليس سوى مقدمة. وعلى الجانب الآخر، فإن المسار العسكري السريع لحسم المعركة مع «حماس» يبدو معقداً جداً. لقد أصبح الرهائن بمثابة بوليصة التأمين للتنظيم، ويقول البعض إنها بوليصة أبدية.
المصدر: يسرائيل هيوم
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية