مئير بن شابات
في خطة النقاط الـ 21، وفقاً للنص الذي نُشر في وسائل الإعلام، تتوفّر العناصر كلها التي يُفترض بها أن تتيح للرئيس ترامب إخماد النيران المشتعلة في غزة والتفرغ لتحقيق رؤيته للشرق الأوسط الجديد.
والدول المستفيدة من الخطة هي الدول السنّيّة في المنطقة؛ فلا ذِكْرَ فيها لمبادرة «الهجرة الطوعية» أو ضم الأراضي، وهما القضيتان اللتان أثارتا قلقاً بالغاً لدى هذه الدول.
وتتضمن الخطة مساراً لإعادة إعمار القطاع، وتُعيد السلطة الفلسطينية إلى الساحة، لكن بنسخة جديدة. وستحصل السعودية وإندونيسيا على دور في إدارة القطاع وإعادة بنائه، الأمر الذي يمنحهما فرصة لتبرير انضمامهما إلى «اتفاقيات أبراهام»، باعتبار ذلك جزءاً من الجهد لإنقاذ غزة والدفع قُدُماً بفكرة الدولة الفلسطينية. ولم تُهمل الخطة أيضاً دور كلّ من تركيا وقطر. يبدو أن كل قطع الأحجية وُضعت في مكانها الصحيح.
لكن فيما يتعلق بالتعامل مع حركة «حماس» في غزة، فإن ما تقترحه الخطة، وما يمكن تنفيذه فعلياً، لا يتعدى كونه وسيلة لتهدئة النيران، من دون معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.
«حماس» ستبقى القوة المركزية المهيمنة على القطاع، حتى وإن لم يكن لها دور رسمي في إدارته؛ فإن تقليص مطلب نزع السلاح إلى «السلاح الهجومي» فقط – كما ورد في نص الخطة – يمهّد الطريق لتهميش هذا المطلب وتفريغه من مضمونه؛ فهل الأنفاق والملاجئ في غزة تُعد سلاحاً هجومياً أم دفاعياً؟ وماذا عن الصواريخ المضادة للطائرات، والألغام، وغيرها؟ تحت غطاء «إعادة الإعمار المدني»، سيكون في مقدور «حماس» تجديد قدراتها العسكرية، ولا توجد آلية رقابة يمكنها منْع ذلك، بل إن الآليات الدولية لن تساعد، إنما ستُعيق وتثقل كاهل إسرائيل في جهودها لمنع ذلك. وهذه ليست نظرة متشائمة، إنما قراءة واقعية لما حدث سابقاً، ولا يوجد ما يدعو إلى اعتقاد أن هذه المرة ستكون مختلفة.
في المرحلة الحالية، وعلى الرغم مما نُشر في وسائل الإعلام، فإن ما هو غير معلَن لا يزال أكثر مما هو مكشوف؛ فكل كلمة في النقاط الـ 21 التي تشكل الخطة لها أهمية، والصوغ ليس مجرد مسألة لغوية. لذلك، من الصواب التحفظ عند تقديم أي تقييم بشأن الخطة، فعلى سبيل المثال؛ فكرة إنشاء آلية حكم مدني بمشاركة الدول العربية المعتدلة والسلطة الفلسطينية ليست جديدة، فدول المنطقة، و»حماس» كذلك، تناقشها منذ فترة طويلة في إطار الصيغ التي يمكن أن تتيح إنهاء الحرب والتوصل إلى «اليوم التالي» من دون سيطرة الجيش الإسرائيلي على القطاع، أو تنفيذ خطة ترامب للتهجير.
وفي أكثر من مرة، أعلن قادة «حماس» استعداد الحركة للتنحي عن إدارة الشؤون المدنية في القطاع وإتاحة ذلك لجهات أُخرى، وشدّدوا في بياناتهم على مبدأين في رؤيتهم لمستقبل غزة:
إدارة القطاع شأن داخلي فلسطيني، ويستلزم «توافقاً وطنياً»، وهو تعبير يُستخدم لإشراك السلطة الفلسطينية وإتاحة الفرصة لـ «حماس» لفرض شروطها ومطالبها.
«المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي هي حق لجميع أبناء الشعب الفلسطيني، وليست حكراً على «حماس» فقط»؛ أي رفْض فكرة نزع سلاح المقاومة.
إن الفكرة المطروحة هي تشكيل مجلس إدارة يضم ممثلين عن الدول العربية والسلطة الفلسطينية، يتولى جمع الموارد، ويكون بمثابة لجنة توجيهيه للشؤون المدنية في غزة. وتحت هذه الهيئة، سيتم تشكيل هيئة تنفيذية تتكون من تكنوقراط (خبراء مدنيين) يديرون الوزارات والهيئات المتعددة في القطاع. ظاهرياً، لا وجود لـ»حماس» ولا تأثير لها، لكن هذا ظاهر فقط.
لِشَرْحِ كيف يمكن لـ«حماس» أن تعمل في هذا الواقع، سنأخذ على سبيل المثال البنية التحتية المدنية؛ من المتوقَع أن تكون أولى طلبات الهيئة التنفيذية إدخال جرافات ومعدات ثقيلة لإزالة الأنقاض، وهذا طلب مشروع تماماً لكن، هل يمكن تخيُّل عامل فلسطيني في غزة يشغّل هذه الآليات ويرفض طلباً من «حماس»؟ كذلك الأمر مع دخول الأسمنت، والحديد، والمواد الكيميائية، وقِطَع الغيار، والمحركات، والبطاريات، وغيرها من الوسائل التي تُطلب لأغراض مدنية، والتي جميعها يمكن أن تُستخدم أيضاً لتعزيز القدرات العسكرية.
يجب أن نعي أن القناة المدنية وجهود الإعمار هما المسار الأساسي لبناء القدرات العسكرية؛ فكل ما سيدخل قطاع غزة لأغراض مدنية ستستخدمه «حماس» لبناء قوتها العسكرية. طالما أن «حماس» لا تزال القوة المسيطرة في القطاع، فإنها ستكون صاحبة الكلمة في كل ما يدخله.
وأكثر من ذلك، فإن خطة انتقال الإدارة المدنية من يد «حماس» من دون المساس بسيطرتها العسكرية يمكن أن تؤدي إلى «تحويل غزة إلى نموذج يشبه حزب الله في لبنان.» وتحت غطاء المجلس الإداري (أو أي اسم يُعطى إلى هذا الكيان)، ستقوم «حماس» بإعادة بناء قوتها العسكرية في القطاع، وستدير كل ما يجري من وراء الكواليس عبر سلاحها وقوتها، ولن يساعد التدخل العربي والدولي، في تنفيذ مسار كهذا، إسرائيل، إنما سيعيقها في مواجهة تحركات «حماس».
من الضروري أيضاً تحليل إدخال السلطة الفلسطينية في المعادلة، والحديث عن أفق سياسي مرتبط بهذا المسار، وخصوصاً بعد الخطوة الاستفزازية المتمثلة في الاعتراف بدولة فلسطينية. يجب على إسرائيل أن توضح أنها لن تتنازل عن مطلبها بنزع السلاح الكامل من غزة، إلى جانب إسقاط حكم «حماس»، وليس كبديل له.
إن تفكيك «حماس» عسكرياً يجب أن يُعرَّف بصورة دقيقة وقابلة للقياس؛ لا أنفاق، ولا منشآت يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، حتى لو وُصفت بأنها دفاعية. إن مصلحة إسرائيل في التوصل إلى اتفاق شامل يعيد جميع الأسرى، ويفكك «حماس»، ويزيل التهديد القادم من غزة، هو أمر لا جدال فيه، وقد قطعت إسرائيل شوطاً كبيراً في تحقيق هذا الهدف عبر عمليتها العسكرية في مدينة غزة، ودفعَت في مقابل ذلك أثماناً باهظة، ولذلك، فمن الضروري التدقيق في تفاصيل التفاهمات وقدرتها على التنفيذ، وعدم الاكتفاء بصورة عامة وشاملة.
المصدر: معهد «مسغاف» للأمن القومي والاستراتيجيا الصهيونية
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية