بن كسبيت
خطة ترامب جيدة لإسرائيل، وللمنطقة، والبيئة، وأيضاً للفلسطينيين، وهذا ليس أمراً بديهياً. والآن، أغمضوا أعينكم وتخيلوا الخطة عينها، لكن رئيس الحكومة فيها لا يُدعى بنيامين نتنياهو، إنما فلنقل لبيد، أو بينيت، أو حتى بار كوخبا؛ في هذه اللحظات كانت الشوارع ستشتعل، وكان اسم الزعيم سيُرفع على رؤوس الأشهاد، وكانت كلمة «خائن» ستحظى بحياة جديدة، وكان مصطلح «الإخوان المسلمون» سيُستخرج من النفتالين مجدداً.
لكن الحفل الذي جرى أمس في مراسم تاريخية مبهرة كان استثنائياً وفاخراً وضخماً ودرامياً، ولم يكن ينقصه سوى شيء واحد: العروس؛ فـ»حماس» لم تقدّم بعد ردها، ونأمل أن يكون الرد إيجابياً. وهناك أمر آخَر؛ خطة ترامب ساذجة، تستند إلى مئة فرضية مشكوك في تحقُقها، وتنتظرها ألغام لا تُحصى في الطريق.
والشيطان يكمن في التفاصيل الصغيرة، وفي خطة ترامب هناك أكثر من شيطان واحد، ومع ذلك، فإن كل إسرائيلي عاقل يجب أن يدعمها. والسؤال ليس ما إذا كانت هذه الخطة جيدة، إنما إذا كان من الممكن التوصل إلى خطة مماثلة – أو أفضل – منذ وقت طويل. والإجابة: بالتأكيد كان ممكناً.
معظم تفاصيل هذه الخطة موجود أصلاً في المخطط الذي قدّمه نتنياهو نفسه إلى مجلس وزراء الحرب. أتتذكرون؟ وحينها تم التصويت عليه (0-6)، ونتنياهو كان من المؤيدين. سيُقال ويُكتب الكثير في الأشهر القادمة عن الوقت الذي جرى تضييعه فقط لتهدئة بن غفير وسموتريتش، وعدد الرهائن الذين فقدوا حياتهم نتيجة ذلك، والأضرار الفادحة التي لحقت بإسرائيل نتيجة هذا التلكؤ، وهي أضرار ستستغرق أعواماً لإصلاحها.
لكنّ كل هذا أصبح من التاريخ، وعلينا أن نركز على المستقبل القريب، وأولويته هي إنقاذ الرهائن. هذه كانت حكاية اتفاق متوقَع سلفاً، والتنسيق بين ترامب وإدارته ونتنياهو ومستشاره ديرمر كان كاملاً، وهو قائم منذ وقت طويل. لقد قرر نتنياهو أن يسعى نحو إنهاء الحرب، فقد فَهِمَ أن الأمر انتهى، وأن «حماس» لن تخرج من أنفاقها وهي تحمل رايات بيضاء.
كانت لديه خطة، اسمها الرمزي الداخلي «كعكة الطبقات»، وكان يُفْتَرَضُ بها أن تنهي الحرب وتُنْتِجَ «صورة نصر» ما، ويُتَّجَهَ بعدها إلى الانتخابات. وقد اعتمدت النسخة الأولى من الخطة على الهجوم في الدوحة، والذي كان من المفترَض أن يُسقط ما تبقّى من قيادة «حماس» بضربة واحدة، وكان نتنياهو سيعلن «نصراً كاملاً»، ويقدّم ترامب الخطة، بعد بعض التعديلات، ويكون بذلك قد «جاء المخلّص إلى صهيون».
وبالمناسبة؛ كان ترامب يعلم مسبقاً بالهجوم في الدوحة، لكن تبيَّن لاحقاً أن هذا الهجوم فشل، وهذا الفشل، إلى جانب أضراره الفورية، أَخْرَجَ ترامب من المعادلة. ومن جانبنا، كان واضحاً أن الرئيس الأميركي لن يتورط معنا في إخفاق كهذا، فهو ينضم فقط إلى العربات الرابحة، لا المتعثرة.
وقد أنهت مكالمة أمس بين نتنياهو ورئيس الوزراء القطري أيضاً هذا الإخفاق؛ فاعتذار نتنياهو إليه ينضم إلى اعتذاره إلى أردوغان (إبان قضية مرمرة) وإلى الملك حسين (بشأن محاولة اغتيال مشعل). إنه معتذر متسلسل، لكن فقط أمامنا، نحن شعب إسرائيل، لم يعتذر قط، ولم يتحمل أي مسؤولية عن أي شيء.
ماذا نقول؟ فلننتقل إلى ما بعده؛ تفاصيل الخطة تُذكّرني باتفاق أوسلو، وسلسلة الاتفاقيات التي انبثقت منه، بما في ذلك اتفاق واي بلانتيشن الذي وقّعه نتنياهو نفسه. تحذير مسبق: لم يُنفَذ أي شيء من تلك التفاصيل؛ لا اللجان الدولية، ولا «خطوات بناء الثقة»، ولا «الدوريات المشترَكة».
أتذكّر أنه بعد اتفاق أوسلو، تم تأسيس «لجنة لمنع التحريض»، وترأّسها يعقوب إيرز، الذي كان رئيس تحرير «معاريف»، لكن التحريض استمر كالمعتاد. فما الذي تغيّر منذ ذلك الحين؟ لم يكن لعرفات حينها دعْم عربي شامل. وحتى بعد أوسلو، عندما ذهب إيهود باراك إلى كامب ديفيد من دون استعداد أو تمهيد، لم تكن لذلك فرصة.
لكن هذه المرة، يبدو الأمر مختلفاً بعض الشيء؛ فترامب، وبصورة خاصة ويتكوف وكوشنر، جنّدوا كل العالم العربي للعملية: ليس فقط «المحور السنّي»، بل أيضاً محور الإخوان المسلمين. لقد توحدت دول الإخوان حول هذا الحدث، كلهم يمارسون الضغط الآن لإنهاء الأمر بصورة جميلة، على الأقل «نسبياً».
هل سينجح ذلك؟ في النهاية، لن ينجح؛ فـ»حماس» لن تتوب، و»الإرهاب» لن ينتهي، وغزة لن تصبح الريفييرا. كل ما يمكن أن نأمله هو أن يعود الرهائن وتنتهي الحرب، أمّا معالجة «حماس»، فيمكننا أن نكملها لاحقاً.
وقد تم تأكيد ذلك أمس من جانب ترامب ونتنياهو، وسيكون لدى إسرائيل حينها دعْم كامل للعودة إلى الحرب ضد «حماس» إذا لم تُنفّذ شروط الاتفاق. وهذا ما نقوله لنتنياهو، ورجاله، وأبواقه، ومؤيديه، وحاشيته، منذ أَشْهُرٍ: أعيدوا الرهائن، ويمكننا مواصلة الحرب ضد «حماس» بكل قوة وقت ما نشاء. هم لم يريدوا، والآن وافقوا. حسناً، أن يأتي الأمر متأخراً خيرٌ من ألاّ يأتي أبداً.
وفي النهاية، على الرغم من محاولة نتنياهو الكبيرة أمس لتأكيد ذلك، وحصوله على تصريح من ترامب يقول فيه إن «بيبي يعارض الدولة الفلسطينية»، وكأنه طفل حصل على ورقة من والدَيه ليُرْضِيَ المعلمة الغاضبة (قاعدته الانتخابية الأسطورية)، فإن الاتفاق يتضمن مصطلح «الدولة الفلسطينية»، ويُعيد المفاوضات بشأن الدولة الفلسطينية إلى مركز جدول الأعمال، ويتحدث عن «مسار موثوق لتحقيق الطموح الوطني للدولة الفلسطينية، التي نعترف بها كتطلّع شرعي للشعب الفلسطيني..».
كانت هناك أيضاً لحظات فكاهية أمس، كعندما تحدّث ترامب عن «جو النائم» (Sleepy Joe Biden)، بينما كان هو نفسه يبدو وكأنه يغفو مباشرةً فوق الميكروفون. لقد تحدّث الرئيس الأميركي الغريب وتحدّث، وبدا وكأنه لن يتوقف أبداً، غير آبه بتوتر نتنياهو (أو زوجته الأكثر توتراً)، لكنه في النهاية أنهى خطابه.
كما أعطى ترامب أيضاً نتنياهو «سلّم نجاة»، ليتمكن من تجنب أسئلة الصحافيين غير «الودودين». وإذا سارت الأمور كما خُطط لها، فسينهي نتنياهو الحرب، وستتفكك الحكومة، وتُعلن الانتخابات. وحتى ذلك الحين، سيحاول التوصل إلى اتفاق مع السعودية، وإندونيسيا، وبعض الدول الأُخرى.
هذا سيكون بطاقته السياسية التي سيحاول عن طريقها أن يجعلنا ننسى 7 تشرين الأول/أكتوبر؛ أي الغرور، والإهمال الجنائي، وتغذية «حماس»، وسياسة «الاحتواء» التي انتهجها، والتلكؤ غير الإنساني في موضوع الرهائن.
وفي هذه الأثناء، تحولت العلامة التجارية الناجحة «إسرائيل» إلى منبوذة دولياً، وعاد الموضوع الفلسطيني إلى جدول الأعمال الدولي، وحصلت الدولة الفلسطينية على اعتراف دولي واسع. ويتعين على الجمهور أن يقرر.
المصدر: معاريف
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية