عاموس هرئيل
عنوان «قمة الفرصة الأخيرة» استُخدم هنا قبل بضعة أسابيع. فهل سيوفر اللقاء المرتقب غداً (الخميس) في جنيف بين الممثلين الأميركيين والإيرانيين الفرصة التي تلي الأخيرة؟ ما يتضح من الوقت الذي مضى وتصريحات دونالد ترامب المتكررة هو أن الرئيس الأميركي ليس متحمساً جداً لشن هجوم، ويسعى لاستنفاد جميع الخيارات الأُخرى، ويفضل فرض اتفاق على النظام في طهران، لكنه سيطلق الأسطول الأميركي إلى العمل في الخليج الفارسي إذا اقتنع بأنه لم يعد هناك مجال للتأثير بوسائل أُخرى في المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وتختلف الأزمة الإيرانية عن معظم الأزمات الكبرى التي واجهها ترامب خلال سنواته في البيت الأبيض؛ فهو لا يتردد في استخدام القوة العسكرية، لكنه يفضل عادة عمليات قصيرة ومركزة يمكن إنهاؤها بسرعة وإعلانها فوراً كنصر، وهذا ما فعله في فنزويلا قبل نحو شهرين، غير أن القوة الهائلة التي تحشدها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والخليج أُعدّت لحملة أطول، قد تترتب عليها أثمان بالنسبة إليها. وقد لمح إلى ذلك رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين في مناقشات جرت مؤخراً داخل الإدارة، ونقلت وسائل إعلام أميركية عنه هذا الأسبوع إثارته شكوكاً بشأن فرص نجاح حرب طويلة.
وقد سارع ترامب إلى نفي هذه التقارير، وأعلن أن الجنرال واثق من قدرته على ضمان نصر سهل إذا أُمر بالهجوم، لكن شيئاً في نبرته يوحي بأن التسريبات لم تُغضبه تماماً. ومن الواضح أن هناك جدلاً حقيقياً داخل الدائرة القريبة من ترامب، إلى جانب جنرالات البنتاغون، بشأن فرص نجاح حرب ضد إيران. لا خلاف على أن الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإيران. لكن هل تعرف كيف تقوم بسلسلة عمليات تنتهي بسقوط النظام؟
قال ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب والمقرّب منه، في بداية الأسبوع إن الرئيس «فضولي» لمعرفة سبب عدم خضوع النظام الإيراني للضغوط، على الرغم من أن الولايات المتحدة لمَّحت إلى استعدادها للتنازل عن مطلب أساسي في المفاوضات والسماح لإيران بالاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم بمستوى محدود. وفي مناسبة أُخرى، قال ويتكوف -من دون أي أساس مثبت - إن إيران تبعد أسبوعاً واحداً عن إنتاج قنبلة نووية (في الواقع، تضررت قدرات التخصيب بشدة في الحرب التي دارت في حزيران/يونيو، ومعظم مخزونات اليورانيوم العالي التخصيب لا تزال مدفونة تحت الأرض). وفي ساحات أُخرى، كشف المبعوث عن نقص أعمق في الإلمام بالتفاصيل، إذ قال هذا الأسبوع، في ذكرى مرور 4 أعوام على الهجوم الروسي على أوكرانيا، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يخدعه أبداً خلال لقاءاتهما.
الإيرانيون لا يتراجعون في الوقت الحالي لأن المواجهة تُعد بالنسبة إلى المرشد معركة حقيقية على بقاء النظام، واستنتاج خامنئي من تجاربه السابقة هو أن الخضوع الإيراني لمطالب صارمة لم يؤدِّ إلاَّ إلى مطالب جديدة. وعن طريق وزير الخارجية عباس عراقجي، يحاول خامنئي كسب الوقت، فطهران تفضل إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان، على أمل أن يلين الموقف الأميركي ويقبل بتسوية. وفي هذه الأثناء، باتت القوة العسكرية الأميركية منتشرة فعلاً في المنطقة، والانتظار الطويل سيستنزف أعصاب الجنود والقادة.
كما أفادت تقارير في الإعلام الأميركي هذا الأسبوع بأن ترامب يدرس توجيه ضربة قصيرة واحدة إلى إيران، ثم العودة إلى طاولة المفاوضات، ومن المشكوك فيه أن يكون هذا هو السبيل إلى حل بسيط من وجهة نظره؛ فالنظام الإيراني لا يملك إلى أين يذهب (وهذا على الأرجح أحد أسباب نشر تقارير عن أن خامنئي يُعدّ بدلاء لجميع شاغلي المناصب العليا)، وسيكون على الأميركيين نقل فريق عمل ذهاباً وإياباً إذا بدأت بعد الضربة مفاوضات قد تمتد لأشهر.
والقلق من تسوية ممكنة يساور الحكومة الإسرائيلية، فقد أعلن ترامب سابقاً انتصارات لم تتحقق، وانسحب من ساحات عندما أصبحت المواجهة العسكرية أقل راحة بالنسبة إليه. هكذا حدث قبل نحو عام، عندما أوقف في منتصف الطريق الحملة الجوية ضد الحوثيين في اليمن، وأعلن أن المشكلة حُلّت (وهي لم تُحل). وربما يكون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على علم بما يخطط له ترامب، لكن في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا يزال هناك قلق من تسوية جزئية لا تُزيل بالكامل التهديد النووي، وتُبقي خطر الصواريخ البالستية الإيرانية قائماً، وتؤدي إلى رفع العقوبات الدولية الصارمة التي دفعت الاقتصاد الإيراني إلى حضيض عميق وأشعلت موجة احتجاجات غير مسبوقة في أنحاء البلد، قمعها النظام بوحشية الشهر الماضي.
هذا الأسبوع، ومع انتهاء أربعين يوماً من الحداد على آلاف (وربما عشرات الآلاف) من ضحايا حملة القمع الدموية التي شنها النظام، تجددت الاحتجاجات، وبحسب مقاطع فيديو متداولة، تبدو الاحتجاجات محدودة النطاق في الوقت الراهن وتتركز في حرم الجامعات، ويحتاج المتظاهرون إلى قدر هائل من الشجاعة للعودة إلى الشوارع والساحات وهم يعلمون ما فعله النظام بمعارضيه في المرة السابقة. إن التخلي عن المعركة الآن سيُعد خيانةً لهؤلاء المتظاهرين، وهذا على الأرجح أحد الحجج التي يطرحها نتنياهو وآخرون على مسامع ترامب.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية