تسفي برئيل
خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2024، قال بنيامين نتنياهو، ملخِّصاً حديثه عن «الشرق الأوسط الجديد: «قلت إننا سنغيّر وجه الشرق الأوسط؛ سورية لم تعُد سورية؛ ولبنان لم يعُد لبنان؛ ورأس المحور، إيران، لم تعُد إيران.» وبعد خمسة أشهر، عاد فأكد أنه «في 600 يوم من الحرب، غيّرنا وجه الشرق الأوسط بشكل فعلي.» وفعل الأمر ذاته في تموز/يوليو 2025، عشية سفره إلى واشنطن، ثم مجدداً أول أمس، حين صرّح بأنه «من نصر إلى نصر، نحن نغيّر معاً وجه الشرق الأوسط.»
وفقاً لنتنياهو، حتى السابع من أكتوبر، كان الشرق الأوسط «القديم» يشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل: قوات عربية تحاصرها، بغية تدميرها؛ إيران على وشك الحصول على سلاح نووي؛ حزب الله يخطط لغزو؛ «حماس» لم تكن «مردوعة». ومن وسط الظلام الدامس الذي لفّ الدولة، بزغ شعاع نور واحد على ما يبدو: «نحن على أعتاب اختراق تاريخي - اتفاق سلام بين إسرائيل والسعودية،» قال رئيس الوزراء في خطابه في الأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2023، متعهداً بأن «سلاماً كهذا سيشكل خطوة نحو إنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.» لكن بعد أقل من شهر، هزّ «طوفان الأقصى» المنطقة.
بعد عامين على اندلاع الحرب، لا تزال الساعة مبكرة جداً للخُلاصات، ولا توجد طريقة للتنبؤ متى وكيف ستصل التحولات التي شهدتها المنطقة في أثناء الحرب إلى نقطة النهاية التي سيبدأ منها عصر «الشرق الأوسط الجديد».
إن حلم تغيير الشرق الأوسط ليس حكراً على نتنياهو، لقد كان عدد من رؤساء الولايات المتحدة الديمقراطيين والجمهوريين، مقتنعين بأن مفتاح التغيير في جيوبهم. في سنة 2006، بعد خمسة أعوام على غزو أفغانستان وثلاثة أعوام على احتلال العراق، قال جورج بوش الابن في الجمعية العامة للأمم المتحدة «إننا نرى أن المستقبل المشرق بدأ بمدّ جذوره في الشرق الأوسط الكبير»...
لكن منذ ذلك الحين، عادت طالبان وسيطرت على أفغانستان، وسيطر تنظيم «داعش» على أجزاء من العراق، وحتى بعد هزيمته، لا يزال العراق «على بُعد خطوة» من الديمقراطية؛ الرئيس باراك أوباما أيضاً كان يعتقد أن الشرق الأوسط سيتغير إلى الأفضل، بعد ثورات الربيع العربي وسقوط أنظمة عربية: مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس، وعلي عبد الله صالح في اليمن..
لكن عندما يتحدث نتنياهو عن «تغيير وجه الشرق الأوسط»، فإنه لا يقصد عمليات عميقة، أو تحولات استراتيجية، ولا يعرض «خريطة فرص»، بل كعادته، يعيد رسم خريطة التهديدات التي يُفترض أنها تراجعت، أو تقلصت بفضل الحرب، لكن ذلك بعيد جداً عن ضمان التغيير المنشود.
سورية شيك ينتظر الصرف
في سورية، تمت إطاحة نظام الأسد على يد تحالف ميليشيات، بقيادة تنظيم «هيئة تحرير الشام» - وريثة تنظيم القاعدة - بزعامة أحمد الشرع. لكن سورية لم تعُد دولة موحدة، وحكومتها لا تمثل جميع سكانها، ومكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية معلقة بخيط رفيع، وتعتمد على دعم سياسي واقتصادي موقت من دول عربية وغربية، وعلى رأسها الرئيس دونالد ترامب. وفي أفضل الأحوال، هي دولة في فترة اختبار ويمكن أن تتفكك في أي لحظة.
الآن، باتت القصة أكثر تعقيداً، صحيح أن الشرع يُجري محادثات مباشرة مع إسرائيل للتوصل إلى ترتيبات أمنية متفق عليها، تحصل بموجبها إسرائيل على عُمق إضافي في الجولان، استناداً إلى اتفاقيات الفصل الموقّعة مع الأسد في سنة 1974، ويكون الجنوب السوري حتى حدود الأردن منطقة منزوعة السلاح، في مقابل انسحاب إسرائيلي من معظم الأراضي التي احتلتها منذ سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر، لكن حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية قد تصطدم الآن بالغلاف السياسي الذي يحمي النظام الجديد، والذي يضم الولايات المتحدة وتركيا والسعودية والإمارات وقطر، وهذه الدول تسعى لإقامة دولة سورية موحدة ذات سيادة، خلافاً للرؤية الإسرائيلية التي تفضل تفكيكها إلى كانتونات تمثل نقاط نفوذ لها، مثل الدروز والأكراد. لذلك، عندما يعلّق نتنياهو «جمجمة الأسد» على حزامه بفخر، ويضيفها إلى قائمة «إنجازات الحرب»، من الجدير النظر إلى ذلك على أنه شيك لم يُصرف بعد.
لبنان: دولة في قيد الاختبار
لبنان أيضاً لم يغيّر الشرق الأوسط، صحيح أن حزب الله تلقى ضربات قاسية جداً، وأصبح وضعه الشعبي مزعزعاً، وتقلصت قدراته العسكرية، وانقطع شريانه الحيوي الممتد من إيران إلى بيروت، عبر سورية، وزعيمه الكاريزمي حسن نصر الله، الذي بناه كدولة موازية سيطرت على الدولة الأم، قُتل مع قادته البارزين، ولم يتمكن خليفته نعيم قاسم من ملء الفراغ الذي تركه، وحتى الآن، لا يبدو كأنه يوجد في صفوف الحزب قائد قادر على ذلك. والأهم من ذلك أن الحكومة اللبنانية، ولأول مرة في تاريخها، تتنصل، رسمياً وعلنياً، من وصف حزب الله بأنه «درع الدولة»، وتتعهد بتفكيك سلاحه، وتحقق نجاحات أولية في هذا الصدد.
لكن الاختبار الحقيقي لا يزال أمام الحكومة اللبنانية، ولن يكون سهلاً. فاغتيال قيادة حزب الله لم يستطع إزالة الحزب من النسيج السياسي اللبناني، وما زال ممثلوه في الحكومة والبرلمان، ويظل خطر الحرب الأهلية قائماً إذا قررت الحكومة مواجهته بالقوة، بعبارة أُخرى، لبنان أيضاً دولة في قيد الاختبار، شأنه شأن سورية، وهو عالق بين أزمة اقتصادية عميقة، علاجها مشروط بتنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله، وبين ضغط الولايات المتحدة وتهديد إسرائيل باستئناف الحرب إن لم تفِ الحكومة بالتزاماتها. حتى الآن، لا يضمن التحول السياسي المهم الذي حدث في لبنان، بعد ضرب حزب الله، هدوءاً طويل الأمد، فضلاً عن اتفاق سلام مع إسرائيل.
إيران: ما زالت تشكل تهديداً
تُعتبر إيران قصة النجاح المركزية في حرب «السبع جبهات»، من وجهة نظر إسرائيل؛ فإسرائيل والولايات المتحدة هاجمتا منشآتها النووية، وفقدت نفوذها الاستراتيجي في سورية، وتقلّص مدى سيطرتها في لبنان، إن لم يُمسح تماماً. لكن على الرغم من الهجمات، التي لا تزال نتائجها في قيد التقييم، فإن التهديد النووي لا يزال قائماً، وستبقى «الجبهة ساخنة»، ما لم يُبرم اتفاق يضمن الرقابة على برنامجها النووي. ومن المفيد التذكير بأن الاتفاق النووي الأصلي الموقّع في سنة 2015، والذي ألغاه ترامب من طرف واحد، بتأثير كبير من نتنياهو، كان سيضمن تقييد تخصيب إيران لليورانيوم حتى نهاية سنة 2025، مع قيود ورقابة صارمة حتى سنة 2030.
لا يزال من الصعب التنبؤ بما إذا كانت التحركات الدبلوماسية، بما فيها تفعيل آلية الـ»سناب باك» لإعادة العقوبات الدولية، ستجبر إيران على التراجع، والتي تصرّ على حقها في التخصيب على أراضيها، لكن إعادة فرض العقوبات قد تؤدي إلى عواقب إقليمية ودولية خطِرة، بدءاً من انسحاب إيران من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وهو ما يحررها من أي رقابة دولية، مروراً بإمكان خرق روسيا والصين نظام العقوبات، على الرغم من توقيعهما الاتفاق الأصلي، وانتهاءً بسباق تسلّح نووي إقليمي وتعطيل حرية الملاحة في الخليج، الأمر الذي قد يشعل حرباً إقليمية جديدة.
صحيح أن إسرائيل نجحت في ضرب «طوق النار» الذي أقامته إيران، عبر ميليشياتها في العراق ولبنان واليمن، لكن يتضح أن الحوثيين لاعبون مستقلون لا يخضعون لإملاءات طهران تماماً، والميليشيات العراقية ما زالت تهدد استقرار النظام، على الرغم من توقّفها عن مهاجمة أهداف أميركية، أمّا إيران نفسها، التي ترسم استراتيجيتها الإقليمية، فما زالت تمثل تهديداً حتى بعد 12 يوماً من الحرب في حزيران/يونيو.
بدلاً من التطبيع، الاعتراف بدولة فلسطين
إذاً، الإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل في الحرب على غزة و«فروعها» في لبنان وسورية وإيران واليمن بقيت في المستوى التكتيكي، من دون أن تُترجم إلى رؤية استراتيجية على المستوى الإقليمي، أو الدولي. فلم تُنشئ «تحالفاً دفاعياً إقليمياً إسرائيلياً – عربياً - أميركياً»، بل بالعكس، فالتغييرات التي جرت خلال العامين الماضيَين لا تسير في الاتجاه الذي يطمح إليه نتنياهو، فبدلاً من تحالف إقليمي بقيادة إسرائيل، شُكّلت جبهة عربية دولية ترى في إسرائيل تهديداً لاستقرار المنطقة، وبدلاً من «التطبيع» المنشود مع السعودية، جاءت «الاعترافات الدولية المتتالية بدولة فلسطين»، بمبادرة من السعودية؛ ووصلت اتفاقيات السلام مع مصر والأردن والإمارات إلى حدودها القصوى؛ وإسرائيل تتحول إلى دولة منبوذة، وبات مواطنوها وبضائعها وباحثوها وفنانوها «أشخاصاً غير مرغوب فيهم».
ومع ذلك، لم تذهب الآمال كلها أدراج الرياح، ففي 15 أيار/مايو 2008، في الذكرى الستين «لاستقلال» إسرائيل، زار الرئيس بوش الكنيست، وألقى خطاباً حماسياً متفائلاً تخيّل فيه «الشرق الأوسط الجديد»، قائلاً: «ستحتفل إسرائيل بيوم استقلالها الـ120، كإحدى أعظم الديمقراطيات في العالم،» وأضاف «ستكون وطناً آمناً مزدهراً للشعب اليهودي، وسيكون للشعب الفلسطيني وطن لطالما حلم به ويستحقه، دولة ديمقراطية يسودها القانون، وتحترم حقوق الإنسان، وترفض الإرهاب.»
وتابع بوش «سيعيش الناس في مجتمعات حرة مستقلة من القاهرة إلى الرياض، ومن بغداد إلى بيروت،» وأضاف «ستكون إيران وسورية أمّتين للسلام، ويصبح القمع فيهما ذكرى بعيدة... وستُهزم القاعدة وحزب الله وحماس حين يدرك المسلمون في المنطقة أن رؤية «الإرهاب» خاوية وتسبب الظلم.» إنها رؤية رائعة، كل ما نحتاج إليه فقط الانتظار حتى سنة 2068.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية