بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

18 شباط 2025 12:05ص من إعلام العدو: عندما تتحول المعركة على الوعي إلى مهزلة مُقلقة

حجم الخط
عيناف شيف

من بين كل الفاكهة الفاسدة التي نمت في الحيز العام الإسرائيلي، تُعتبر «المعركة على الوعي» من أبرز أنواع تلك الفاكهة. ليس لأن مصطلحات، مثل «الوعي» و»السردية» وغيرهما، ليست مهمة، بل لأن الانشغال بها بات مرَضياً (لأن الانشغال بها أسهل من الانشغال بالسياسات)، وتحولت إلى أداة في أيادٍ لا تتمتع بالكفاءة. والنتيجة؟ بدلاً من الانشغال بالانتصار في «المعركة على الوعي»، باتت هذه المعركة تنتج كثيراً من الهراء (في أفضل الأحوال)، حتى إنها تؤدي إلى ضرر حقيقي (في أسوأ الأحوال، وهو السائد).
القمصان التي طبعت عليها مصلحة السجون نجمة داود وعبارة «لن ننسى، ولن نغفر» باللغة العربية، وألبستها لـ»المخربين» الذين تحرروا، هي المثال الكلاسيكي لذلك. المتحدث باسم مصلحة السجون - المؤسسة التي يُفترض بها أن تدير السجون، لا أن تدير معركة نفسية على الصعيد القومي - قال إن الهدف هو «تثبيت سردية في الوعي». يبدو أن مسؤول مصلحة السجون قرر أن يكون مسؤولاً أيضاً عن تمرير الرسائل في المرحلة الأكثر حساسية، التي نعيشها في مواجهة تنظيم «إرهابي» في الوقت الذي لا يزال يوجد مخطوفون في الأسر، ومَن يعلم كيف سيكون الإذلال الذي سيلحق بهم، لأن السجّان الكبير كوبي يعقوبي [المسؤول عن إدارة السجون] واثق بأنه عبقري في مجال التسويق. وفي الوقت نفسه، يمكن تفهُّمه أيضاً: لن يضرّ به أن يبدو بصورة «الرجل» أمام جمهور غاضب، وهو يواجه شبهات جنائية.
لكن بالإضافة إلى قضية الإسقاطات الحقيقية لهذه الأفعال الرمزية، هناك أيضاً استخفاف كبير جداً بذكاء المشاهد. حاولت مصلحة السجون تفسير أفعالها بالقول إن «هذه الملابس تحمل رسالة دولية، وبحسبها، نحن نحرر ’المخربين’، من موقع قوة، بعكس ما حدث في المحرقة». لا يجب أن نكون متدينين من أجل التوجه إلى الله وطلب مساعدته لمن نجح في ربط تحرير «مخربين» في إطار اتفاق سياسي، والتعبير عن «القوة»، وطبعاً ذكر المحرقة. لحسن حظنا، أنه لم يضع أيضاً أيّ إشارة إلى عيد الحب.
من الواضح أن الجمهور المستهدف هو الجمهور الإسرائيلي. فالجمهور الدولي لن يصيبه الذهول نتيجة هذه المسرحية، هذا من دون التطرق إلى سؤال: لماذا تحتاج إسرائيل إلى المساواة ما بينها وبين تنظيم «إرهابي» خطف مواطنين من منازلهم، وهي دولة قانون، لديها أسرى «مخربون» في دولة قانون، وحصلوا على الشروط المقبولة في دولة القانون. وكما يبدو، فإن أفراد مصلحة السجون سيشعرون أكثر بالفخر والراحة، حين يعلمون بأن هؤلاء «المخربين»، صحيح أنهم خرجوا بسبب إخفاق كبير جداً لا يُصدق، لكنهم على الأقل، خرجوا وهم يلبسون ملابس كُتب عليها شيء ما باللغة العربية. يبدو أن هذا يتماشى مع إعلان مصلحة السجون المبالغ فيه، إذ يظهر أن هذه المؤسسة الخطِرة والمهمة، التي تتعامل يومياً مع «أسوأ البشر»، ليست سوى مخيم عمل للإثارة غير مضر.
إن ما تم تحقيقه فعلاً، هو تعزيز الاتجاه المقلق، الذي تطمح فيه إسرائيل الرسمية إلى التحدث بالعربية، بحسب «قوانين المنطقة» (ويمكن أن نستحضر صوت تسفي يحزقيلي [مراسل الشؤون العربية في القناة 13 الذي يتحدث بالعربية])، وهو ما ينعكس في سلسلة من التصريحات والأفعال، قد يؤدي بعضها إلى إبعاد إسرائيل عن الأمم المتحدة (من غير الواضح أصلاً ما سيتبقى منها بعد ولاية ترامب)، والبعض الآخر يعكس محاولة بائسة للتغلب على مرارة إذلال السابع من أكتوبر. النتيجة يمكن أن تكون خسارة مزدوجة: خسارة «المعركة على الوعي» وخسارة المعركة الأكثر أهمية - ما يجب أن تمثله دولة إسرائيل.

المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية