بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

22 تموز 2025 12:10ص من إعلام العدو: في إسرائيل ديموقراطية بلا ديموقراطيين والكنيست في مركبة فضائية تاهت عن مسارها

حجم الخط
مردخاي كرمنيتسر

يدّعي الشعبويّون السلطويّون، كالائتلاف الحالي، أنهم الممثّلون الأصيلون والوحيدون لـ»الشعب»، وبناءً عليه، فإنهم لا يمكنهم تحمُّل الخسارة في الانتخابات، لأن فشلاً كهذا يُفند هذا الادعاء، ويجعلهم مجرّد وعاء فارغ. والتمثيل البرلماني بالنسبة إليهم ليس سوى وسيلة لتحقيق هذه الغاية.
وقد استحوذت الخطوات المتطرفة على معظم الانتباه، كمحاولات المسّ بالتمثيل السياسي للأقلية العربية عبر إجراءات عزل عضو الكنيست عوفر كسيف وعضو الكنيست أيمن عودة. وفي كلتَي الحالتين، لم يكن هناك أساس قانوني للعزل، وبالتالي، فإن الأمر لا يعدو كونه اضطهاداً محضاً. وفي خضم ذلك، انضمت لجنة الأخلاقيات في الكنيست إلى حملة الملاحقة، عبر قرار إضافي ضد عضو الكنيست كسيف لم يحظَ باهتمام كافٍ.
وكانت لجنة الأخلاقيات في الكنيست قد وجدت، في قرار صادر بتاريخ 9 تموز/يوليو 2025، أنّ عضو الكنيست كسيف من «حداش» قد خالف قواعد الأخلاقيات في الكنيست عبر سلسلة طويلة من التصريحات، وفرضت عليه الإبعاد من الهيئة العامة للكنيست ولجانها لمدة شهرين، بالإضافة إلى حرمانه من راتبه لمدة أسبوعين. ويُعد هذا الإجراء استكمالاً لإجراءات سابقة اتخذتها لجنة الأخلاقيات ضد كسيف.
والسبب الرئيسي وراء هذا القرار هو موقف اللجنة، الذي تقرَرَ في حالات سابقة أيضاً، والذي يفيد بأن مجرد نَسْب جرائم مخالفة للقانون الدولي (جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية) إلى الدولة أو إلى جنود الجيش الإسرائيلي يُعد خرقاً لقواعد الأخلاقيات. وبهذا، يتبيّن أن أقوالاً تُطرح في الخطاب العام في إسرائيل، حتى من جانب كبار السياسيين والقادة العسكريين (كبوغي يعالون، وإيهود باراك، وإيهود أولمرت، ويائير غولان وآخرين)، ومن جانب أبرز الخبراء في القانون الدولي، وكذلك في الخطاب العام العالمي، يُمنَع حتى التلميح بها من جانب أعضاء الكنيست.
وبذلك، تفصل لجنة الأخلاقيات الكنيست عن الواقع، وتضعه داخل مركبة فضائية تاهت عن مسارها. والأسوأ من ذلك أنه بالنسبة إلى أولئك الذين يرون أن جرائم كهذه قد ارتُكبت وتُرتكب فعلاً (على سبيل المثال: تجويع سكان غزة وما يرافقه، وكمّ عمليات القتل غير المتناسب للمدنيين في أثناء مهاجمة أهداف عسكرية، وتدمير البنى التحتية المدنية والمنازل بلا ضرورة عسكرية، والمعاملة القاسية وغير الإنسانية تجاه المعتقَلين والسجناء، وعمليات التركيز القسري، أي في الواقع، ترحيل السكان المدنيين من أماكن تواجدهم عبر إنشاء أوضاع تُجبرهم على مغادرة القطاع، والذي يُطلَق عليه زيفاً وبتعبير ساخر «مدينة إنسانية» و«ممارسة الحق في المغادرة الطوعية»)، تتولد لديهم معاناة نفسية شديدة: كيف يمكن إيقاف هذه الأفعال في حرب «لا تشبع»؟ وكيف يمكنهم النأي بأنفسهم عن أفعال تُرتكب، على ما يبدو، باسمهم ومن أجلهم، وبالتالي تندرج ضمن مسؤوليتهم الأخلاقية؟
في أوضاع كهذه، فإن إسكات تعبيرات الاحتجاج والمعارضة من جانب أعضاء كنيست، تقع على عاتقهم مسؤولية خاصة عما يُرتكب باسم الدولة، هو عمل قاسٍ وغير إنساني بحد ذاته، وفَرْضُ الكذب على طالبي الحقيقة هو سمة الأنظمة التوتاليتارية، وإن فعلاً كهذا، حين يُرتكب باسم «أخلاقيات أعضاء الكنيست»، فإنه يدنس مفهوم الأخلاقيات نفسه، ويُلقي بظلّ ثقيل على كنيست إسرائيل.
لقد ولّدت «المجزرة الوحشية» في 7 تشرين الأول/أكتوبر مشاعر غضب ورغبة في الانتقام، وهي مشاعر طبيعية ومفهومة، لكن بدلاً من كبح هذه المشاعر، فقد شجّعت القيادة هذا المزاج العام عبر الخطاب بشأن «العماليق»، والتصريحات المروّعة التي تفيد بأنه لا يوجد أبرياء في غزة. هذه هي التصريحات التي استندت إليها جنوب أفريقيا في الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
ومن الصعب تصديق أنّ لجنة الأخلاقيات نفسها تؤمن بأن ما يقوله كسيف لا يستند إلى أي أساس في الواقع، وكذلك تصديق أنها لم تتمكن من اتخاذ إجراءات ضد أعضاء كنيست يحرضون على العنصرية وعلى المسّ بالأبرياء. وتَبْرُزُ هنا أيضاً سِمة إضافية من سمات السياسيين السلطويين؛ غياب أي قيمة أو أهمية للحقيقة، وخصوصاً تلك التي لا تُناسب حاجاتهم الشخصية والسياسية.
وإن قرار لجنة الأخلاقيات لا يستند فقط إلى مستوى توصيفي – واقعي للواقع، بل أيضاً يسعى للتأثير في إعادة إنتاج هذا الواقع. والرسالة التي تبعث بها اللجنة هي توجيه من الكنيست إلى أجهزة إنفاذ القانون: يجب تشكيل صورة عالمية فحواها أن جرائم كهذه لم تُرتكب بأي شكل من الأشكال، حتى لو كانت الحقيقة عكس ذلك وقد ارتُكبت فعلاً. لذلك، تجنّبوا التحقيق، وتجنّبوا الإنفاذ، وإن لزم الأمر، غطّوا الأمور، شرط أن تبقى صورة الواقع بلا شائبة.
وبصورة صارخة، فإن هذا نهج غير أخلاقي، كما أنه غبي؛ فما يمكن أن يمنع اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسرائيليين خارج إسرائيل هو إقناع الجهات القانونية الخارجية بأن إسرائيل راغبة وقادرة على التعامل مع هذه الشبهات بنفسها. أمّا إسرائيل الرسمية، بما في ذلك لجنة الأخلاقيات في الكنيست، فإنها تفعل كل ما في وسعها لإفشال هذا الإقناع، بل أيضاً في الواقع لتكوين الانطباع المعاكس، وهكذا تضمن أن تُفتح الإجراءات القانونية ضدها في الخارج.
تتوقع الأغلبية اليهودية وتطالب بأن تكون نفسية المواطنين العرب «نفسية يهودية نابضة»، وبما أن هذا الأمر مستحيل، فإن مشاركة العرب في السياسة هي دوماً عرضة للتحدي. وتحت غطاء الحرب، نجحت شرطة بن غفير في إقصاء صوت الجمهور العربي من الحيّز العام، تقريباً بالكامل، في طريقها إلى إسكات أي معارضة قانونية للحكم.
ويوضح الاعتداء - التحرش - من جانب عضو الكنيست سعادة ضد الأطباء العرب إلى أي درك انحدر إليه الكنيست، أمّا عاصفة الصراخ التي رافقت كلمة عودة في الكنيست، فتُثبت أن الفكرة الكامنة وراء «قانون العزل»، والتي تهدف إلى تحويل الكنيست إلى هيئة ذات طابع قضائي، ليست سوى وَهْم. وقد باتت الديمقراطية الإسرائيلية (المحصورة داخل حدود الخط الأخضر فقط) ديمقراطية لليهود وحدهم، وللتدقيق أكثر: لليهود المؤيدين للحكم فقط.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يمكن افتراض أن الجهود ستكثَّف لإبعاد الممثلين العرب من انتخابات الكنيست (وهي لا تتطلّب أغلبية خاصة)، وللقمع الممنهج للتصويت العربي، كما ستُعزَّز عمليّات نزع الشرعية عن مشاركة العرب في الحكم. وللأسف، فإن هناك أجزاء غير قليلة من المعارضة تشارك في هذه التحركات أيضاً (نصف أعضاء لجنة الأخلاقيات من المعارضة، و11 عضو كنيست من المعارضة صوّتوا لمصلحة عزل عودة، ورئيس المعارضة دعم عزل عودة حتى اللحظة الأخيرة)، على الرغم من أن ذلك يُقوّض فرص المعارضة في أن تتحول إلى سلطة حاكمة. إذن، يبدو أنه لا حدود للغباء.
إن أكبر الاختبارات للديمقراطية هو في موقفها من حرية التعبير السياسي، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بتصريحات مثيرة للغضب، فهناك يكمن اختبارها الحقيقي (عِلماً بأن حرية التعبير لأعضاء الكنيست لها أهمية خاصة)، وكذلك في موقفها من الأقلية الدائمة. وفي هذه الاختبارات، يفشل الكنيست (الائتلاف ومعظم المعارضة معاً) فشلاً ذريعاً. فمن دون وجود سبب قانوني، حشد الكنيست مرتين أغلبية كبيرة (85 في حالة كسيف، و73 في حالة عودة، بينما لم يشارك حزب «يهدوت هتوراه» في التصويت في إطار معركته لدعم قانون الإعفاء من التجنيد) لمصلحة عزل أعضاء كنيست يُمثّلون الأقلية.
الاستنتاج القاتم من ذلك هو: لا يمكن الوثوق حتى بأغلبية مميزة داخل الكنيست (70 أو حتى 80 نائباً) للدفاع عن حقوقنا الأساسية، وعن الحق في التمثيل والمشاركة السياسية، وعن سيادة القانون.

المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية