يوآف ليمور
ثمة شك في أن أحداً يعرف، باستثناء بنيامين نتنياهو، ما الذي تخطط له إسرائيل في غزة. فالطريق الذي تسلكه يقود إلى مفترق: توجد في جانب منه صفقة باتت في المتناول، ستعيد عشرة مخطوفين أحياء و15–18 مخطوفاً قتلى. وفي الجانب الآخر، عملية واسعة لاحتلال مدينة غزة، وربما لاحقاً احتلال القطاع بأكمله.
يبدو كأن نتنياهو مقتنع بأنه يستطيع مواصلة السير إلى الأمام: أن يعيد جميع المخطوفين، وفي الوقت نفسه، يحسم المعركة مع «حماس.» لكنه لا يشرح للجمهور، ولا حتى لشركائه السياسيين، أو لقيادة المؤسسة الأمنية، كيف ينوي فعل ذلك. وإذا لم تتراجع «حماس» في الأيام القريبة، ووافقت على تقديم تنازلات لتجنُّب توسيع الحرب، فإن المطلوب من إسرائيل اتخاذ قرارها.
خلافاً للتصريحات والبيانات الدعائية للقيادة السياسية، لا يملك الجيش الإسرائيلي وسيلة لضمان أي عنصر من عناصر القرارات التي اتخذها المجلس الوزاري المصغر. فهو لا يستطيع أن يضمن سلامة المخطوفين، أو منع مقتلهم، ولا يستطيع أن يضمن تجنُّب سقوط إصابات كثيرة في صفوف القوات خلال المعركة على مدينة غزة، ومن المؤكد أنه لا يستطيع الالتزام بجداول زمنية لإنهاء عمليات «تطهير» غزة تحت الأرض (فالسيطرة على غزة فوق الأرض ستكون أسهل نسبياً)، وهو أيضاً لا يستطيع حتى أن يضمن إتمام مهمة إجلاء مليون مدني فلسطيني، لم يوافق ثلثهم على الإجلاء، حتى عندما سيطر الجيش على مدينة غزة في تشرين الثاني/ نوفمبر – كانون الأول/ديسمبر 2023.
أصدر المجلس الوزاري الأمني – السياسي توجيهاته إلى الجيش بضرورة إنجاز هذه المهمة حتى السادس من تشرين الأول/أكتوبر، كي يتم إحياء الذكرى الثانية للحرب بصورة «نصر». لكن من غير الواضح أيّ نصر يُقصَد هنا: فالمسار الذي تسلكه إسرائيل الآن هو وصفة مؤكدة لبقاء الجنود (وربما أيضاً بقاء مخطوفين) في غزة، حتى في الذكرى الثالثة للكارثة. يحذّر رئيس الأركان وقيادة المؤسسة الأمنية من أن إسرائيل قد تتورط أكثر وتغرق في الحرب ، بدلاً من إنهائها.
استنزاف الجيش ومكانة إسرائيل
علاوةً على ذلك، يحذّرون في الجيش من أنه بدلاً من إيجاد مسار يحرر إسرائيل من الحاجة إلى السيطرة على 2.2 مليون فلسطيني، قد تجد نفسها تدير حكماً عسكرياً سيجعلها تدفع خمسة أثمان باهظة، من المشكوك في أن تكون قادرة على تحمُّلها:
التنازل عملياً عن جميع المخطوفين، أو عن بعضهم.
سقوط العديد من الجنود (فهجمات حرب العصابات، مثل تلك التي أُحبطت في الأسبوع الماضي في موقع كتيبة كفير، ستظل موجودة دائماً، وقد تنجح يوماً ما).
ثمن اقتصادي لا يستطيع الاقتصاد تحمُّله.
عبء طويل الأمد (سيؤدي إلى استنزاف، وربما انهيار) في قوات الاحتياط والجيش النظامي والدائم.
تعميق التدهور السياسي الذي قد يصل إلى حد تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة.
لكن هذه التحذيرات لا تجد آذاناً صاغية. حتى الآن، نتنياهو لا يتأثر بالضغط الشعبي الذي يزداد إزاء قضية المخطوفين، ولا بضغط أهالي الجنود. إن ثقته بنفسه كبيرة لدرجة أن مبعوثيه ينوون، هذا الأسبوع، تسريع الدفع بقانون الإعفاء من التجنيد. فالحكومة ترسل أوامر استدعاء (أوامر 8) لمن خدموا مئات الأيام بيدٍ، وباليد الأُخرى تحاول إعفاء عشرات الآلاف من تقاسُم العبء.
امتنع نتنياهو في الأسبوع الماضي من عقد المجلس الوزاري. ربما لم يرِد مواجهة ضغط المؤسسة الأمنية؛ وربما لم يرِد مواجهة ضغط شركائه في الائتلاف، وطوال الوقت، عينه على واشنطن، في مسعى دائم لقياس حرارة البيت الأبيض، وطالما يشعر بأن هناك رياحاً داعمة من الرئيس ترامب، فستستمر الحرب. وإذا اعتقد أن ترامب يغيّر اتجاهه – فمن المرجح أن تتوقف إسرائيل.
في هذه الأثناء، يفسّر نتنياهو مطلب ترامب بشأن إنهاء الحرب حرفياً. بالنسبة إليه، المقصود هو القضاء على «حماس». ومن غير المؤكد أن يكون الرئيس الأميركي يعرف، أو يفهم مدى صعوبة وتعقيد ذلك ميدانياً. قادة الجيش الأميركي وعدوه بالقضاء على التهديد الحوثي بسهولة، إلّا إن الولايات المتحدة هي التي تراجعت بعد أسابيع، كي لا تنجرّ إلى حرب مفتوحة، لكن غزة أكثر تعقيداً بأضعاف، وخصوصاً بوجود المخطوفين والتحدي المعقّد لوجود مدنيين.
ساعة الرمل للمخطوفين تنفد
إن ترامب غير معني بالتفاصيل كثيراً. ففي نهاية الأسبوع، أثار عاصفة بين عائلات المخطوفين عندما قال إن عدداً من المخطوفين العشرين الأحياء لم يعُد بيننا، فاضطر المنسق غال هيرش إلى إصدار توضيح، من المشكوك في أنه هدّأ العائلات. كلّ مَن شاهد مقاطع الفيديو لروم برسلافسكي وأفيتار دافيد يعرف أنه حتى لو لم يكن ترامب يعرف عمّا يتحدث، فمن الممكن جداً أن يكون محقاً، لأن كل دقيقة في الأسر تحمل خطر الموت المباشر لهم.
سيكون الأسبوع القادم حاسماً. يوم الثلاثاء، سيتوقف النشاط الاقتصادي، تضامناً مع المخطوفين. وإذا استندنا إلى الإضراب السابق يوم الأحد الماضي، وإلى استطلاعات الرأي، فإن أغلبية صلبة من الجمهور تؤيد إبرام صفقة توقف الحرب، أو تعلّقها. في نهاية الأسبوع، ستحلّ الذكرى السنوية لمقتل ستة مخطوفين في نفق في خان يونس – تذكير إضافي بثمن إفشال الصفقات. بعد ذلك مباشرة، في 2 أيلول/سبتمبر، سيبدأ استدعاء مكثف لجنود الاحتياط بأوامر 8، ومن المرجح أن يرافقه تصعيد الضغط العسكري على مدينة غزة من خلال غارات واقتحامات.
الحرب والمفاوضات معاً؟
قال نتنياهو إنه سينفّذ المسارين معاً: المفاوضات والحرب. لكن حتى الآن، تنفّذ إسرائيل جانباً واحداً فقط – القتال – وتمتنع عن الدفع بجانب المفاوضات... الحكومة مقتنعة بأنها على غرار الساحر الشهير هوديني، ستعرف إسرائيل كيف تخرج من أي مأزق، يجدر الأمل بأنها، بعكس ذلك، لن تدفع حياتها ثمناً لضربة غير متوقعة.
المصدر: يسرائيل هيوم
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية