عاموس هرئيل
كانت الاحتفالات مبكرة جداً؛ فبعد يومين على الهجوم الجوي الإسرائيلي على قطر، يُعزَّز الاعتقاد أن العملية لم تحقق أهدافها المعلنة. فالحكومة القطرية و«حماس» لا تزالان تلتزمان الصمت بشأن نتائج الضربة، لكن في هذه المرحلة، يبدو كأن عدد قادة التنظيم الذين أصيبوا في القصف الإسرائيلي أقل كثيراً مما كان يُعتقد في البداية. وأكثر من ذلك: تبين أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قرر تنفيذ الضربة، على الرغم من معارضة كبار مسؤولي المنظومة الأمنية، في معظمهم، وعلى الرغم من التحذيرات الشديدة التي أطلقوها بشأن تأثيرها السلبي المحتمل في صفقة الأسرى.
كلما طالت الحرب الإقليمية وتشابكت، كلما تعرضت إسرائيل لمزيد من المخاطر في عمليات الاغتيال. قبل نحو أسبوعين، قصف سلاح الجو صنعاء في محاولة لاغتيال وزراء الحكومة الحوثية في اليمن. وأول أمس، استهدف فريق المفاوضات التابع لـ«حماس» في قطر، في أثناء اجتماع كان مخصصاً لوضع استراتيجيا بشأن صفقة الأسرى. إن الضربات ليست أطول مدى فحسب، بل إن أهدافها باتت أكثر طموحاً.
حتى وقت قريب، وُصفت سلسلة الاغتيالات بأنها نجاحات متصاعدة، لكن الضربة السابقة في اليمن حققت نتائج جزئية فقط (إذ قُتل رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، بينما نجا كبار القادة الأمنيين الحوثيين)، أمّا العملية في قطر، فقد تنتهي بفشل.
إن الخطر الأكبر يتعلق بأرواح الأسرى وسلامتهم. يمكن التغاضي عن الإدانات الدولية للعملية الإسرائيلية في قطر، لكن ألا تخشى إسرائيل أن تستغل «حماس» الحادثة للتشديد على الأسرى في الأنفاق، أو حتى التهديد بقتلهم؟ من الأفضل أن يقال بوضوح إن «حماية حياة الأسرى لم تعد أولوية قصوى لدى رئيس الوزراء منذ زمن. وما يوجّه قراراته هو البقاء في الحكم بأي ثمن، وطريقة تحقيق ذلك، في نظره، حرب طويلة بقدر الإمكان.»
حتى الآن، يمنحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مزيداً من الوقت في غزة، لكنه يضغط عليه بألّا يطيل أمد الحرب أكثر مما يجب. هناك تقديرات تفيد بأن ترامب سيطالبه بإنهاء القتال بحلول نهاية العام، ولهذا السبب، يصرّ نتنياهو على توسيع العملية البرية في مدينة غزة. أمّا بشأن الضربة في قطر، فطالب نتنياهو بتنفيذها قبل بدء التحرك البري المكثف في القطاع.
إن درجة دعم ترامب للخطوة الإسرائيلية مرتبط باستمرار علاقاته الجيدة بنتنياهو، لكن السؤال الذي لم يتضح بعد هو: ما الذي جرى بين القدس وواشنطن في الساعات، وربما في الأسابيع، التي سبقت الضربة. لقد هدّد رئيس الأركان إيال زمير بضرب قادة «حماس» في الخارج في تصريح له في نهاية آب/أغسطس. من المرجح أن تكون إسرائيل لمّحت للولايات المتحدة بنيّتها العمل في قطر تحديداً، لكن قناة «الأخبار 12» أفادت بأن الأميركيين أدركوا أن الضربة في طريقها إلى التنفيذ، فقط عندما رصدت أنظمة الدفاع الجوي التابعة للقيادة المركزية «سنتكوم» الطائرات الإسرائيلية وهي تحلّق فوق المنطقة، وهي أنظمة تحمي القاعدة الأميركية الضخمة في قطر، عندها فقط، قيل إن إسرائيل شرحت ما تنوي فعله. فهل يمكن أن يكون البيت الأبيض كان على عِلم مسبق، لكنه لم يبلّغ القادة الميدانيين؟ فقائد «سنتكوم» الجديد زار إسرائيل قبل أيام قليلة فقط، والتقى كبار قادة الجيش.
هنا يبرز إمكان أن يكون ترامب تعمّد إضفاء ضبابية على الملابسات ليحتفظ لنفسه بهامش إنكار – فيفصل الأميركيين عن تبعات الضربة، وبشكل خاص إذا أضرّت العملية الإسرائيلية بقطر من دون أن تحقق هدفها الرئيسي: قتل كبار قادة «حماس». ومن المعروف أن الرئيس لا يحب أن يرتبط اسمه بأي فشل، وخصوصاً في ظل تعقيد علاقاته ومصالحه مع القطريين.
لكن إذا لم يكن هناك تنسيق كامل، ولم يبلَّغ الأميركيون في الوقت المناسب، فإن في ذلك بذور أزمة بينه وبين نتنياهو. وهذا الخبر ليس سيئاً بالضرورة؛ فمنذ وقت طويل، ربما بات ترامب هو الوحيد القادر على إنهاء الحرب، إلّا إن هذا الأمر مرهون بممارسة ضغط أميركي مباشر على نتنياهو، وهو ما لم يتجرأ ترامب على فعله حتى الآن. أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، هذه الليلة، بأن ترامب قال لنتنياهو إن الضربة كانت «تصرفاً غير حكيم». ما أصبح واضحاً فعلاً هو الضرر الذي لحِق بالعلاقات الإسرائيلية - القطرية، بكل تعقيداتها. أمس، قال رئيس وزراء قطر في مقابلة مع محطة CNN إن «ما فعله نتنياهو هو، ببساطة، القضاء على كل أمل للأسرى.»
أمّا جيران قطر، من السعودية حتى الإمارات، فسارعوا إلى إصدار إدانات للعملية الإسرائيلية. فالعلاقات بين دول الخليج متوترة، لكن في الخليج أيضاً هناك مخاوف: طوال الحرب الحالية وحتى اليوم، بقيت دول الخليج خارج نطاق المواجهة – فلم تعمل إسرائيل في داخلها، بينما اكتفى الإيرانيون بضربة رمزية لقاعدة قطرية، رداً على القصف الأميركي للموقع النووي في فوردو في حزيران/يونيو الماضي. الآن، قد تسعى «حماس»، بدعم إيراني، لتصفية الحساب في الخليج – عبر تهديد السيّاح الإسرائيليين في الإمارات، على سبيل المثال.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية