بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

27 تشرين الثاني 2025 12:10ص من إعلام العدو: محور واشنطن – الرياض: التحالف الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط والتحدِّي الذي يواجه إسرائيل

حجم الخط
ألداد شافيط
 يوئيل غوزنسكي

إن زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لواشنطن شكلت مرحلة جديدة في منظومة العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وأفيدَ بأن التفاهمات التي جرى التوصل إليها شملت ترقية ملموسة في الشراكة الأمنية بين الدولتين، وموافقة مبدئية من الرئيس ترامب على بيع طائرات F-35  للسعودية، إلى جانب استثماراتٍ سعودية في الولايات المتحدة قد تصل إلى تريليون دولار، وكذلك هناك حوار متقدم بشأن مشروع نووي مدني، لكنه غير نهائي. وسَعت الدولتان خلال الزيارة لتحقيق أهدافٍ استراتيجية سيؤثر تنفيذها بصورة مباشرة في تشكيل مشهد الشرق الأوسط في الأعوام المقبلة.
من زاوية إدارة ترامب، انطوى الهدف الأول على تثبيت السعودية في المعسكر الأميركي في حقبة التنافس بين القوى الكبرى؛ لقد عملت السعودية في الأعوام الأخيرة على تطوير علاقات اقتصادية وطاقوية عميقة مع الصين وروسيا، من اتفاقيات النفط ضمن إطار OPEC+ إلى شراكات في التكنولوجيا والبنية التحتية، ورغبت واشنطن في إظهار السعودية كحليف استراتيجي، بغية تقليص خطر «الانجراف شرقاً» وضمان بقاء مركز ثقلها الاستراتيجي في الولايات المتحدة.
ثانياً، سعت واشنطن لتعميق الشراكة الاقتصادية-التكنولوجية، إذ وعدت باستثمارات سعودية واسعة في الولايات المتحدة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والبنى الرقمية، وأبدت الإدارة حماسةً لدعم طموح السعودية في جعل المملكة «مركز الابتكار» في الشرق الأوسط، في إطار «رؤية 2030»، وربط ذلك بضخ استثمارات في الطاقة والبنى التحتية والصناعات المتقدمة داخل الولايات المتحدة. وفي المقابل، توقعت واشنطن من الرياض أن تلتزم بعض الأنظمة الأميركية المتعلقة بالتكنولوجيا الحساسة والمنافسة مع الصين.
ثالثاً، هدفت زيارة بن سلمان إلى خدمة رؤية ترامب بشأن إقامة هندسة إقليمية جديدة، إذ ترى الإدارة الأميركية في وقف إطلاق النار في حرب غزة، وفي الإفراج عن الأسرى لدى «حماس»، خطوة أولى ضمن خطة لتوسيع وتعميق «اتفاقيات أبراهام»، ودمج السعودية في إطار أمني-اقتصادي في مقابل إسرائيل، وتحويل جزء كبير من أعباء الاستقرار الإقليمي إلى الشركاء المحليين. وفي هذا السياق، بحث الرئيس وولي العهد في الدفع بمسار تطبيعٍ واسع النطاق بين السعودية وإسرائيل، مع تأكيد ترامب أن التطبيع رافعة لهندسة إقليمية جديدة ترتكز على تعاوُن أمني واقتصادي. وعرض بن سلمان الشروط السعودية المسبقة لتحقيق هذا الهدف، وعلى رأسها ضمانات أمنية أميركية، وحزمة تسليح متقدمة، وموافقة إسرائيل على صيغةٍ «لا رجعة فيها» لإقامة دولة فلسطينية.
من زاوية السعودية، شكّلت الزيارة نقطة تحوّل مهمة بالنسبة إلى محمد بن سلمان في مسار استعادة صورة المملكة في الولايات المتحدة والغرب. وفي رأيه، إن نتائج الزيارة تجسّد السعودية كلاعب مركزي في النظامين الإقليمي والدولي. فالاستقبال الرسمي في البيت الأبيض، بما في ذلك مأدبة العشاء المخصصة لرؤساء الدول، والاجتماعات الطويلة، والاعتراف العلني من الرئيس ترامب بمكانة بن سلمان، بصفته القائد الشرعي والراسخ للمملكة، أمور كلها عكست تحولاً كبيراً، قياساً إلى الماضي، ولا سيما في عهد إدارة جو بايدن، حين كانت صورة ولي العهد عائقاً كبيراً أمام تحسين العلاقات.
وفيما يخص ملف التسليح، فإن الموافقة الأميركية المبدئية على بيع السعودية طائرات F-35، إحدى أكثر الطائرات تقدماً في سلاح الجو الأميركي، تمثل تطوراً تاريخياً، في حال نُفِّذت، إذ ستكون السعودية أول دولة عربية تحصل على هذه الطائرة؛ كذلك حققت الرياض مكسباً آخر يتمثل في رفع القيود الأميركية عن تصدير الشرائح المتقدمة إلى السعودية، الساعية لتثبيت نفسها كمركز تكنولوجي عالمي، بما يشمل أنظمة الذكاء الاصطناعي لاستخدامها في مشاريع طموحة، مثل مدينة «نيوم». واعتُبرت موافقة واشنطن على هذه الخطوة، على الرغم من الحضور الكبير للشركات التكنولوجية الصينية في المملكة، دليلاً استثنائياً على الثقة الأميركية بالرياض، ولو أن الخطوة قد تكون مشروطة بمراقبة أميركية موسعة، و/أو بتقييد نشاط الشركات الصينية داخل المملكة. وإلى جانب ذلك، منحت واشنطن السعودية صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو»، وهي صفة رمزية إلى حد كبير، تتمتع بها أصلاً الكويت والبحرين وقطر، غير أنها توفّر مزايا في المشتريات العسكرية، وتشير إلى أن الرياض باتت شريكة بارزة في بنية الأمن الأميركية.
ومع ذلك، لم تحقق السعودية هدفين مركزيين:
أولاً: اتفاق دفاعي مُلزم ورسمي، فحتى الآن، لم تنجح الرياض في الحصول على موافقة أميركية على إطارٍ دفاعي يتضمن تعهداً رسمياً من الولايات المتحدة بحماية المملكة في حال تعرُّضها لهجوم. وقد عملت السعودية طوال عامين للدفع بهذا المسار، بحيث يشمل التزاماً أمنياً أميركياً، في مقابل التزامٍ سعودي بتنسيق سياسي وإقليمي. ويُشار إلى أن واشنطن منحت قطر وثيقة مشابهة بعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة (بموجب أمرٍ رئاسي)، غير أنها لم توسّع هذه الصيغة لتشمل الرياض.
ثانياً: اتفاق بشأن تخصيب اليورانيوم داخل أراضي المملكة، حيث لا يزال «الاتفاق 123»، الذي سيتيح إنشاء بنى تحتية للطاقة النووية المدنية، تحت إشراف أميركي، خارج متناول السعوديين، وعلى الرغم من التقدم في الأعوام الأخيرة في النقاشات بين الدولتين بشأن هذه المسألة، فإن الكونغرس يرفض المصادقة على اتفاق يشمل إمكان التخصيب المحلي داخل السعودية، بينما يبدو كأن بن سلمان غير مستعد للتخلي عن طموح السيطرة على جميع مكونات دورة الوقود النووي. ربما تؤجل واشنطن مسألة اتفاق الدفاع والتعاون النووي، لاستخدامها كأداة ضغط في اتجاه خطوة تطبيع مستقبلية مع إسرائيل، أي من دون أن يقدم السعوديون أثماناً سياسية كبيرة، وإذا صحّ ذلك، فهذه الأخبار جيدة بالنسبة إلى إسرائيل؛ أمّا في مجال العلاقات مع إسرائيل، قد توافق الرياض على التطبيع في نهاية المطاف، لكنها تشدد على أنها لن تفعل ذلك من دون تقدُّم ملموس نحو تسوية إسرائيلية - فلسطينية؛ ومن وجهة نظر واشنطن، فإن غياب التقدّم الإسرائيلي يسمح لها بالاحتفاظ بـ»الأوراق الكبيرة»، الدفاع والمشروع النووي، ليومٍ تتوفر فيه فرصة لصفقة تطبيعٍ حقيقية.
من زاوية إسرائيل، تمثل زيارة ولي العهد لواشنطن حدثاً مركّباً، يجمع بين فرصة تاريخية ومخاطر كثيرة، فالحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية لا يدور فقط حول السلاح والتطبيع بين الرياض والقدس، بل هو جزء من انتقال السعودية إلى موقع قيادي، بصفتها حليفة استراتيجية وركيزة في المحور الأميركي في الشرق الأوسط. لذلك، سيكون على إسرائيل إعادة تعريف دورها بصفتها شريكة مبادِرة ضمن هذه الهندسة الإقليمية التي يدفع بها البيت الأبيض بحزم كبير.

الفرص

ترسيخ الوجود الأميركي وهندسة إقليمية جديدة: بالنسبة إلى إسرائيل، إن إحدى النتائج الإيجابية المحتملة هي تثبيت الوجود الأميركي في الشرق الأوسط في المدى الطويل؛ فالاتفاق الدفاعي مع السعودية، في إطار منظومة واسعة من الدول الموالية لواشنطن (مصر، الأردن، الإمارات)، سيُنتج بيئة أكثر وداً حول إسرائيل، ولو شكلياً، مع إمكان تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي.
تحقيق مسار التطبيع مع السعودية: حتى لو جاء في المرحلة الأولى بخطوات محدودة ومشروطة، سيُعدّ التطبيع إنجازاً دراماتيكياً لمكانة إسرائيل وموقعها في العالمين العربي والإسلامي، كذلك سيكمل المسار الذي بدأ بـ»اتفاقيات أبراهام»، ومع ذلك، من الواضح أن السعودية تحتاج إلى تقديم مقابل حقيقي لجمهورها، وللدول الإقليمية. وفي السياق الفلسطيني: تحسُّن ملموس في وضع قطاع غزة والتزام مسار سياسي.

المخاطر

المكونات الأمنية للصفقة: إن بيع أنظمة سلاح متقدمة للسعودية، والشراكة في برامج دفاع إقليمية، وربما أيضاً مشروع نووي مدني مستقبلي، أمور كلها تثير قلقاً في إسرائيل. ويتمحور الخوف حول الإضرار بـ»التفوق النوعي» لإسرائيل (QME)، وإمكان تخفيف القيود على نقل سلاح متطور إلى الرياض، وخلق سابقة تدفع دول الخليج الأُخرى إلى المطالبة بمشاريع نووية مماثلة، ومجرد موافقة الولايات المتحدة على البحث في مسألة النووي المدني في السعودية يشكّل سابقة مُقلقة، لكن محاولة إحباط المشروع بالكامل قد تدفع الرياض إلى خيارات بديلة، ولا تملك إسرائيل القدرة على منع الولايات المتحدة من بناء علاقة أمنية متقدمة مع السعودية، لكنها تستطيع التأثير في تفاصيل الترتيبات؛ أمّا السعي لمنع بيع السلاح المتقدم بالكامل، إذا نجح، فقد يدفع الرياض نحو الصين، أو فرنسا، أو بريطانيا، لتجد إسرائيل نفسها أمام نتيجة أسوأ، ومن دون آليات رقابة أميركية. ومن المتوقع أن تواجَه الضغوط الإسرائيلية على الكونغرس لمنع مبيعات السلاح للسعودية بانتقادات داخل الإدارة الأميركية.
تهميش إسرائيل، أو دمجها في المسار؟ السيناريو الإشكالي لإسرائيل هو أن تحدد جوهر التفاهمات بين واشنطن والرياض، مع إعطاء الأولوية للمصالح السعودية والأميركية، ثم لاحقاً، إذا حدث ذلك أصلاً، تستخلص تداعياتها على إسرائيل، وفي سيناريو كهذا، قد تجد نفسها أمام أمر واقع يتعلق بالترتيبات الأمنية والنووية والاقتصادية، وتضطر إلى التكيف معها بأثرٍ رجعي؛ أمّا السيناريو الإيجابي، فيكمن في دمج إسرائيل فعلياً في المسار، كشريكة في النقاشات بشأن منظومات الدفاع، ومنسّقة للخطوات تجاه إيران ووكلائها، ودافعة مع السعودية بمشاريع اقتصادية تخدم «رؤية 2030» السعودية والاقتصاد الإسرائيلي.

توصيات سياسية

يجب على إسرائيل أن تعمل كشريكة، وليس كناقدة من مقاعد المتفرجين: يتشكل في الشرق الأوسط واقع جديد لا تملك إسرائيل سيطرة كاملة عليه، لكن في وسعها التأثير فيه، ويتعيّن عليها تعميق الحوار المباشر مع واشنطن والرياض، عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، لكي تتموضع، بصفتها شريكة طبيعية في البنية الإقليمية الجديدة.
يتوجب تحديد «خطوط حمراء» مع مساحة مرونة: يجب على إسرائيل تحديد نقاط اللاعودة، ونوعية السلاح الذي لا يجب بيعه للسعودية من دون تعويض أمني، وآليات الرقابة النووية التي تمنع الاستخدام المزدوج، وضمانات أميركية تحول دون تهديد أمن إسرائيل مباشرة. وكلما ازدادت تبعيتها للمظلة الأميركية، ازدادت حاجتها إلى رسم خطوط حمراء واضحة.
الاستعداد لتحديد «الثمن» الفلسطيني: يُرجّح أن يتضمن أي تصوُّر للتطبيع مع السعودية مكوناً فلسطينياً، ويمكن لإسرائيل أن تختار بين الرفض التلقائي، وبين بلورة ثمن تدريجي معقول بصيغة ذاتية، بدلاً من قبول ثمنٍ مفروض من الخارج.
اعتبار التقارب الأميركي - السعودي جزءاً من معركة استراتيجية واسعة: فالزيارة جزء من جهد إدارة ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في ظل انشغالها بساحات أُخرى: التنافس مع الصين، والحرب في أوكرانيا، والهجرة، والتحديات التكنولوجية. ويجب على إسرائيل تبنّي نموذج «الشراكة المبادِرة» كي لا تجد نفسها في بيئة استراتيجية صيغت من دونها، لكنها مُلزمة بالتكيف وِفقها.

المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية