ياغيل ليفي
تبنّت إسرائيل مخططاً خطِراً: سيصبح قطاع غزة إقليماً بلا سيادة، تسيطر عليه، جزئياً، قوة متعددة الجنسيات مكلّفة تفكيك «حماس». لا يوجد في العالم نموذج كهذا. فالخبرة الدولية في تفكيك المجموعات المقاتلة نجحت فقط في الظروف الاستثنائية: في إطاراتفاق سلامٍ شامل (إيرلندا الشمالية)؛ أو عبر تحفيز المتمردين على تسليم سلاحهم (موزمبيق)؛ أو تفكّك في مقابل دمج سياسي (السلفادور)، أو بعد اتفاق استسلامٍ تام (ألمانيا).
هذه الشروط غير موجودة في غزة: لا يوجد اتفاق شامل؛ لا توجد مؤسسة دولة مستقرة؛ و لا يوجد حافز حقيقي لدى «حماس» على التخلي عن سلاحها. إن نموذج ترامب ليس له أي أساس واقعي.
خلال الأشهر القادمة، سيعود مئات الآلاف من الغزيين إلى بيوتهم المدمرة، مرهقين وشغوفين بالهدوء، لكن كثيرين منهم متلهفون أيضاً للانتقام. سيلتقون قوة متعددة الجنسيات مكلّفة نزع سلاح «حماس» ومنع تسليح مجموعات محلية. من غير المؤكد أنهم سيطيعون سلطة لم يختاروها، حين لا يكون واضحاً مَن سيحمي أمنهم. والسلطة الفلسطينية، السيد شبه الشرعي الوحيد، معزولة عن العملية إلى أن تجتاز سلسلة اختبارات يفرضها عليها الائتلاف الأميركي.
في هذه الأثناء، سيضطر الغزيون إلى الاكتفاء بلجنة من التكنوقراط تابعة لمفوض أعلى أجنبي (ربما توني بلير)، وسيتكدسون في قطاع غزة، وفي المدى الطويل، سيبقى جزء من القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية في إطار المنطقة العازلة.
إن فرص مشاركة «حماس»- التي بقيت واقفة على قدميها- في هذا المخطط ضئيلة، لكن حتى لو حدث هذا، فهناك احتمال معقول لنشوء ميليشيات مسلحة غير معنية بتفاهمات نتنياهو- خليل الحية. هذه الخطة النمطية لرجال أعمال أميركيين يؤمنون بالهندسة الاجتماعية- السياسية، لكن الوصفة إشكالية: مطالبة مليونَي إنسان، جُردوا من إنسانيتهم وسيادتهم، بطاعة نظام أجنبي.
من وجهة النظر الإسرائيلية، هذا احتمال فشل أمني- إنشاء حدود مع إقليم عدائي بلا سيادة، يخضع لقوة متعددة الجنسيات لا تملك الدافع إلى القتال ضد مَن يعارضها. عندما تواجه القوة صعوبة في تطبيق نزع سلاح «حماس» والآخرين، ستواجه إسرائيل معضلة: إمّا التسامح، وإمّا استئناف الحرب ومهاجمة مناطق تنتشر فيها قوة دولية تفصل بينها وبين الغزيين.
بصراحة، يُعتبر تدمير غزة وتحميل سكانها مشاعر الانتقام وصفة لكارثة أمنية، فضلاً عن الجرم الأخلاقي. وفي مقابل ذلك، لم يتم النظر إلى البديل الوحيد الذي ربما يملك فرصة، حتى لو كان بعيداً عن الوهم المتعلق بإبادة «حماس»، والذي باعته القيادة الإسرائيلية لرعاياها من جدار إلى جدار.
إنها خطة سلام فياض، رئيس وزراء فلسطين السابق، الذي اقترح دمج «حماس» في منظمة التحرير، من أجل تأليف حكومة جديدة أكثر شرعيةً للسلطة الفلسطينية، تتولى السيطرة على غزة. ستكون هذه السلطة المحسنة البنية التحتية لتأسيس دولة فلسطينية. وبحسب فياض، فإن أي التزام فلسطيني بشأن نبذ العنف لن يثق به أحد، من دون التزام «حماس» وكونها جزءاً من الحل المستقبلي.
لكن إسرائيل، وفضلاً عن أنها لا تدفع قدماً بمثل هذا المخطط، فهي ترفض أيضاً تلبية مصلحتها الواضحة: إطلاق سراح مروان البرغوثي من السجن، الزعيم السياسي الأكثر شعبيةً في غزة، وفقاً لمسحٍ نُفّذ عشية 7 تشرين الأول/أكتوبر، والذي قد يكون قادراً على قيادة عملية سياسية أكثر صدقية. إسرائيل تقول «لا» لما قد يوفر استقراراً، وتختار مخططاً يعرّض أمنها للخطر، أكثر من أي بديل آخر.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية