يائير غولان
تشهد منطقة الشرق الأوسط في هذه الأيام دراما اقتصادية وسياسية وأمنية، وفي خضمها، وبسبب رئيس الحكومة الفاشل، ينهار الموقع الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة والعالم. دونالد ترامب، الذي قدم نفسه كصديق حقيقي لإسرائيل، يدفع نحو نظام إقليمي جديد يكون فيه المال هو القوة المحرّكة، وليس القيم المشتركة. المصالح الاقتصادية، سواء أكانت شخصية، أو عالمية، تزيح النظام القديم والمشاعر السابقة جانباً. الآن، تتحدث الولايات المتحدة بلغة واحدة فقط: المال الكثير، ومن أجل المال الكثير، هناك حاجة إلى بيئة إقليمية مستقرة، ولهذا، يجب أن تنتهي الحرب في قطاع غزة، ومَن لا يفهم ذلك، لن يكون جزءاً من اللعبة، من وجهة نظر واشنطن.
الولايات المتحدة تعتبر الحرب في القطاع والتصعيد مع الحوثيين عبئاً استراتيجياً على الواقع الجديد الذي يمليه ترامب، وفي هذا السياق، لم تعد إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، مكسباً للأميركيين، بل أصبحت عبئاً وعقبة. ترامب يبعث بإشارات إلى الحكومة لخفض وتيرة التصعيد وإنهاء الحرب، والتكيف مع الواقع الجديد. وهذا الواقع يشمل أيضاً تجديد التفاهمات مع إيران، وربما حتى من خلال اتفاق نووي مشابه لاتفاق JCPOA (2015)، لكن رئيس حكومة إسرائيل، تحرّكه اعتبارات البقاء السياسي فقط، وهو غير قادر على تقبُّل هذا التغيير.
وفي الوقت الذي تدور العجلة بسرعة هائلة، تبقى الحكومة بعيدة تماماً عن مركز الحدث، ومتجمدة ومنكمشة، وقبل كلّ شيء، منفصلة عن الواقع. مَن ادّعى أنه ساحر في الساحة الأميركية، وتباهى بقدرته على التلاعب بترامب، تحوّل إلى شخص تمارَس عليه المناورة ممن هو أكثر منه دهاءً. نتنياهو في عصر ترامب لم يعد النجم الذي يضع جدول الأعمال، ويتلقى التصفيق في الكونغرس، بل أصبح لاعباً ثانوياً فاشلاً في قصة خرجت من بين يديه.
الآن، يبني الأميركيون النظام الجديد مع السعوديين والإماراتيين والقطريين، بل حتى مع السوريين والأتراك، والمعيار بسيط: مَن ينضم إلى ركب الاقتصاد والتطبيع، يصبح جزءاً من اللعبة، ومن يتمسك بالخيالات بشأن التهجير والضم والإبادة، فهو خارجها.
البديل من الانضمام إلى المسار الذي يرسمه ترامب واضح: جنود الجيش الإسرائيلي سيديرون حياة مليونَي فلسطيني، والجميع يعرف ما تعنيه هذه النتيجة، وكيف تنتهي. بعد عام ونصف العام من الرفض العنيد من نتنياهو للنظر في أيّ تسوية، يواصل الإقليم التقدم من دوننا، ويترك إسرائيل خلفه، مع فاتورة باهظة تُدفع من أرواح البشر، ونهاية الصهيونية والديمقراطية، ودمار اقتصادي لأجيال قادمة.
لا يمكن أن تندمج إسرائيل في الإطار الاتفاقي المستقبلي من دون إظهار أفق إيجابي على الساحة الفلسطينية. أفق يعني الحل، وإعادة الإعمار، والتهدئة، وتعزيز القوى المعتدلة بروح المبادرة السعودية في سنة 2002. الاندماج في محور الدول المعتدلة ليس تنازلاً، بل مصلحة وطنية من الدرجة الأولى، وهو السبيل الوحيد إلى نقل المسؤولية عن غزة إلى دول أُخرى، ولو جزئياً. إنه ليس ثمناً يُدفع، بل هو مكسب استراتيجي لإسرائيل.
إسرائيل، وبشكل غير مسبوق، لم تعد تقف على رأس الائتلاف الإقليمي، بل تم تهميشها. وبدلاً من الجلوس إلى الطاولة الاستراتيجية مع ترامب، ومحمد بن سلمان، والشركاء الإقليميين، اختار نتنياهو البقاء في الغرفة مع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. بضعفه، وخضوعه لعصبة مسيانية ومتطرفة، فوّت القطار الأميركي. ومثلما كتب مئير أريئيل: «مرّت دقيقتان، وها أنت بقيت في الخلف.»
التداعيات واسعة: في العام المقبل، من المفترض أن تبدأ المحادثات بشأن اتفاقية المساعدات الأمنية التالية بين إسرائيل والولايات المتحدة (MOU). حالياً، الحديث يدور حول 3.8 مليارات دولار سنوياً، أسلحة متطورة، وذخائر، ومظلة حماية استراتيجية. لكن مع استمرار تراجُع مكانة إسرائيل وتدنّي صورتها، في نظر إدارة ترامب، فإن هذا المبلغ، الذي تحتاج إليه إسرائيل بشدة، لم يعد مضموناً، ومن دون المساعدة الأميركية، ومع حكومة تهدر ميزانية الدولة على الوظائف السياسية، والمستوطنات، والطلاب الحاخاميين، ولا تجنّد الحريديم، أو تشجعهم على المساهمة اقتصادياً، قد تتحول إسرائيل إلى مكان يصعب العيش فيه: معزولة، ونازفة، ومنهكة، وقبل كلّ شيء، غير فاعلة، وغير آمنة. وبمعنى أدق، لن تكون إسرائيل بيتاً يوفر الأمان لقاطنيه.
أمام هذا الواقع، من الواجب إنقاذ إسرائيل من هذه الحكومة، وهذا ليس مجرد شعار، بل مهمة وطنية. على إسرائيل أن تعود إلى حجمها الحقيقي: القوة العسكرية الأقوى في المنطقة، بقيادة سياسية تعرف كيف تسعى للاتفاقات وتوفر الأمن؛ دولة قوية، لكن متزنة؛ مبادِرة، لكن مسؤولة؛ دولة تدرك موازين القوى، وتعرف كيف توظف إنجازاتها العسكرية، لا من أجل البقاء، ولا من أجل تعظيم الخوف، بل من أجل خلق نظام استراتيجي طويل الأمد.
هذه هي «صفقة القرن» الحقيقية. ليست تلك الخاصة بنتنياهو، بل صفقة الأمن الإقليمي الطويل الأجل، القائم على التحالفات والاتفاقات والاعتراف بأفق سياسي للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. مَن لا يفهم ذلك، يقودنا نحو الهلاك، ولا يستحق القيادة؛ لذلك، من واجبنا أن نتوحد في المعارضة، وأن نمدّ الأيادي معاً، وأن نستبدلهم.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية